طالما بقيت هناك سفارات عربية داخل اسرائيل وسفارات اسرائيلية في عواصم عربية فإن القرار الذي اتخذه وزراء الخارجية العرب هذا الأسبوع وأطلقوا عليه «وقف الاتصالات السياسية»، مع اسرائيل من باب معاقبتها لن يعني شيئاً بالنسبة الى أرييل شارون... وربما وجد ترحيباً لديه. «وقف الاتصالات السياسية» تعبير مبهم. وربما لهذا السبب انعقد اجتماع الوزراء عليه، فهو يمثل صيغة مساومة وسطية بين من يطالبون بقطع العلاقات الدبلوماسية العربية مع اسرائيل ومن يرون في قطع هذه العلاقات تهوراً قد يغضب واشنطن. وربما كان المراد من هذا التعبير توقف اطراف عربية (بما في ذلك السلطة الفلسطينية) عن عقد اجتماعات أو مقابلات مع الطرف الاسرائيلي على مستوى وزراء أو مبعوثين خاصين في أي مكان. لكن عملياً سوف يستمر عقد مثل هذه الاجتماعات والمقابلات على مستوى رؤساء البعثات الدبلوماسية العرب والاسرائيليين طالما بقيت هناك سفارات عربية في تل أبيب وسفارات اسرائيلية في عواصم عربية. ولو كان موقف الحكومات العربية إجمالاً متواكباً مع الظرف الاستثنائي الخطير المهيمن على الأرض الفلسطينية المحتلة لكان القرار الوزاري العربي هو صراحة قطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل بالكامل. فالعدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني براً وجواً وبحراً بلغ مستوى الحرب الشاملة بكل ما تعني الحرب الشاملة من معنى التدمير العشوائي والحصار الكامل والقتل بالجملة. إزاء هذا الظرف الدموي المتفاقم والذي يزداد دموية مع مرور كل يوم يتضح مدى تهافت القرار الوزاري العربي. وكلما دققنا النظر فيه كلما ازداد تهافتاً. فالقرار بصيغته التعميمية المبهمة والفضفاضة لا يمنع الاتصالات الدبلوماسية فحسب بل أيضاً لا يمنع عقد «اتصالات سياسية» عربية مع اسرائيل عبر طرف ثالث ـ وسيكون هذا الطرف على الأرجح الولايات المتحدة ـ أو في الخفاء وراء الكواليس. وأتصور أن صيغة «وقف الاتصالات السياسية» دون قطع العلاقات الدبلوماسية تجد ترحيباً لدى أرييل شارون دون أن يجهر بذلك بالطبع. فإبقاء العرب على البعثات الدبلوماسية المتبادلة مع الدولة الاسرائيلية من شأنه أن يعطي انطباعاً للعالم بأن التعاطف الحكومي العربي مع الفلسطينيين فاتر وغير جدي وأن الامتعاض العربي الرسمي تجاه اسرائيل لم يبلغ مبلغ الغضب رغم الجحيم الذي تصبه المقاتلات الاسرائيلية على المدن والقرى الفلسطينية. وهكذا ينجلي أكثر من أي وقت مضى فقدان المصداقية لدى الحكومات العربية. فأي مصداقية يمكن أن نعلقها على ذلك الإحجام العربي عن إحياء نظام المقاطعة الاقتصادية والتجارية بالكامل ضد اسرائيل والشركات العالمية التي تتعامل معها اذا كان حتى قطع العلاقات الدبلوماسية ـ وهي خطوة أقل جسارة ـ ضرباً من المستحيل؟ وأي مصداقية يمكن أن نعلقها على منع الشارع العربي من التعبير عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني بوسيلة التظاهر السلمي؟ إن هذه السلبية العربية الرسمية تعيد الى الأذهان مشهداً مماثلاً قبل ما يقارب عشرين عاماً حين تعرض الشعب اللبناني لمثل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني حالياً. ومن القدر أن «البطل» الاسرائيلي في المشهدين واحد. فعندما قاد الجنرال أرييل شارون الحملة العسكرية الشاملة لاجتياح لبنان عام 1982 كان وزيراً للدفاع... والآن يقود شارون الحملة العسكرية ضد الشعب الفلسطيني كرئيس حكومة. ولمدى شهور متصلة والدبابات والطائرات الاسرائيلية تحصد الشعب اللبناني ظلت الحكومات العربية تتفرج من على البعد متسترة ببيانات متبطلة وتصريحات مبهمة كما هو الحال راهناً. ولكن كما تعلم الشعب اللبناني لاحقاً الاعتماد على موارد المقاومة الذاتية فإن الشعب الفلسطيني يبدو الآن وقد وعي الدرس نفسه.