في عددها الصادر بتاريخ 18 مايو 2001، أكدت مجلة «الايكونوميست» البريطانية أهمية الصلة الوثيقة بين أحداث العنف الفلسطيني كما وصفتها المجلة (وهي انتفاضة شعبنا في الأرض المحتلة كما نعرفها)، وبين مخطط بناء المستعمرات الاسرائيلية والتوسع فيها كيما تستشري وتنتشر كوباء سرطاني داخل الأرض العربية المحتلة في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وفي مرتفعات الجولان السورية. في هذا السياق بالذات حرصت «الايكونوميست» على التمييز بين ما كان قائما في صحراء سيناء المصرية من مستوطنات صهيونية وبين ما لا يزال قائما في المناطق المحتلة في فلسطين وسوريا. ولقد كانت محقة في توصيفها حين ذكرت أن حركة الاستيطان في سيناء تم اقتلاعها (حرفيا استئصال شأفتها) كما تقول «الايكونوميست» في ضوء المصالح (الاسرائيلية الصهيونية) الغالية أو الهائلة في اقامة علاقات مع القاهرة (خلال حقبة السادات) وإبرام معاهدة سلام بين مصر واسرائيل. رأي عصمت سيف الدولة لم تقل «الايكونوميست» أن سيناء ذاتها لم تكن لتدخل ضمن مخطط التوسع الاقليمي للمشروع الاستيطاني الاستعماري الذي تجسده اسرائيل في شرقي البحر المتوسط. فلم يكن من المعقول لا من الناحية الاستراتيجية ولا العسكرية، ولا حتى الديمغرافية أو الدولية أن تظل سيناء المصرية واقعة لسنوات طويلة تحت الاحتلال الاسرائيلي. لقد تم احتلالها بوصفها رهينة تدفع فديتها ويفك أسرها على شكل إنهاء حالة الحرب مع اسرائيل والسماح لها بالمرور في الممرات المائية المصرية واخراج أو بالأدق محاولة اخراج مصر من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي ثم.. يضاف الى هذا من الضرائب الفادحة التي دفعها المفاوض العربي في كامب ديفيد الأولى وكانت بدورها على شكل معاهدة سلامية ملزمة في بنودها ومضمونة من أكبر قوة في العالم (أمريكا) وتقضي بمباشرة عمليات تطبيع في علاقات الطرفين في مجالات حرصت المعاهدة على أن توردها على نحو مريب من التفصيل وهو ما أثار شكوك أستاذ ضليع في القانون اهتم بالتحذير من مغبة هذا التفصيل المشكوك في نواياه (هو المرحوم الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه بعنوان: هذه المعاهدة).. كيف لا.. ومعاهدة سلام سياسية بين دولتين لا تتورع عن الحديث عن تنظيم الزيارات الشبابية وعن اعادة النظر في مواد التربية ومناهج التعليم وبرامج الاعلام بما يخدم ظاهرة التطبيع بين الطرفين.. و.. كأن شيئا لم يكن.. لقد كان المقصود بداهة هو تحييد مصر بمعنى تدجين الارادة المصرية وحضها أو حتى اغراءها ولو بدفع نحو ملياري دولار سنويا من المعونات المدنية والعسكرية الأمريكية لقاء البقاء في ربقة كامب ديفيد ومعاهدة السلام.. خيبة آمال التطبيع هكذا جاءت حملة احتلال سيناء بثمنها وأعطت لاسرائيل غرتها على شكل المعاهدة المذكورة أعلاه.. ولقد كان الأمر جديرا بأن ينطوي على اخطار محدقة شتى تلحق بمعادلة صراع القوى بين العرب والمشروع الصهيوني، لولا أن موقعي المعاهدة ممثلين في تل أبيب والبيت الأبيض ونظام السادات في مصر نسوا في غمرة الأحداث أن يحسبوا حسابا أو يضعوا في نظر الاعتبار عاملا في غاية الأهمية اسمه.. الشعب العربي في مصر.. الناس العاديين الذين لا تلبث خطوتهم السليمة أن تهديهم الى حسن التمييز ودقة التصنيف فإذا بهم يعرفون على وجه الدقة من هو العدو ومن هو الصديق ومن هو الأخ الشقيق. هكذا تكسرت صخور التطبيع على صخرة الوعي الشعبي وقد عززته وأذكت جذوته جهود المثقفين التي جاءت على شكل ابداعات شتى ما بين القلم والبحث العلمي وما بين الريشة والابداع المسرحي والسينمائي.. دع عنك التنظيمات والتجمعات التي جعلت ممارسة التطبيع، على مستوى النقابات والجمعيات المهنية أو العمالية وسائر تنظيمات المجتمع المدني في مصر ومن ثم في غيرها من أقطار العروبة سَّبة تنال من الشرف الشخصي والمصداقية الأخلاقية والمناقبية في اطار العمل العام.. حتى لقد أصبح دعاة التطبيع فلولا منبوذة وأصبح ممارسوه أشبه بخفافيش تتسلل بليل الى حيث يحققون لأنفسهم مأربا رخيصا أو مصلحة بخسة هناك. ولم تكن المسألة عنتريات أو محاولات لرفع شعارات البطولة بقدر ما كان الوعي الجماهيري معززا بالوعي المثقف والابداعي يتمتع برؤية استشرافية صائبة وصادقة تقول: إن آليات المشروع الاستيطاني الصهيوني أقوى من مجرد وعود السلام ودعوات التعايش وغوايات الشرق أوسطية وما الى ذلك بسبيل.. أوهام السلام ولكم تشدقت أفواه كثيرة وارتفعت أكثر من عقيرة خداعا أو انخداعا.. جهلا أو تجاهلا تدعو الى تكريس السلام (ومن يكره السلام؟) والى نبذ العنف (وهذه هي الدعوة المفضلة حاليا في أوساط شتى يرفع معها شعار وقف العنف بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وتلك كلمة حق يراد بها أكثر من باطل لأنها تساوي بين ثورة شعب على الاحتلال وبين عسف قوى متجبرة مغتصبة لأرض الآخرين ومنكرة على هؤلاء الآخرين حقهم الأساسي في تقرير المصير). وحين كسبت اسرائيل الرهان وردت الرهينة في سيناء مقابل معاهدة سلام ويومها كانت لهم مستوطنة واحدة اسمها (ياميت) ونحن نتصورها مجرد واجهة دعائية أو إحدى أوراق المزايدة ليس إلا في كف المفاوض الاسرائيلي لكن المستوطنات الأخرى في الضفة وفي القطاع وفي الجولان وجدت لتبقى على حد ما تذهب اليه «الايكونوميست» للأسف الشديد.. في هذا الصدد تقول المجلة البريطانية: (إن قضية زرع مستوطنين في الأراضي التي تحتلها اسرائيل تتمثل أساسا في جعل اعادة هذه الأراضي (الى أصحابها) أمرا بالغ الصعوبة يوما من بعد يوم.. ولقد زرعوا المستوطنين (الاسرائيليين) في سوريا والضفة الغربية وغزة لكي يقبعوا هناك بل ولقد شجعوهم على التوسع والتزايد حتى عندما كانوا يطلبون (معاهدات) السلام مع أصحاب تلك الأراضي. وكان ذلك تضيف «الايكونوميست» بالحرف تناقضا صارخا أحجمت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة عن الاعتراف بوجوده. والسؤال المطروح هو: كم بلغ عدد هذه المستوطنات «المستعمرات الاسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة»؟ نحن بازاء 200 مستوطنة صهيونية تتراوح من حيث الحجم بين مدن مكتملة وبين مراكز سكنية مزروعة فوق التلال والهضاب وهي متناثرة على نطاق واسع ولكنها موزعة ضمن مخطط استراتيجي كما تؤكد المجلة البريطانية في الضفة الغربية وغزة بحيث يشكل واقع الاستيطان الصهيوني حاجزا منيعا فاصلا بين القرى والبلدات والمدن الفلسطينية وبين القدس الشرقية ودواخل الضفة الغربية للأردن. زيادة الاستيطان ملاحظة هامة توردها «الايكونوميست» ومؤداها أنه على مدى السنوات السبع التي استغرقتها عملية أوسلو إياها التي رفعت شعارات السلام وتولدت عنها عملية كوبنهاغن وقد تغنت بدورها بأهازيج المن والسلوى وكم أغوت مثقفين ومفكرين عربا فكانوا أن نصبوا أنفسهم دعاة سلم ومحبة وعندما كنا نجادلهم أو نعارضهم كانوا يضعوننا متحدثين لهم أطراف أنوفهم المتورمة صلفا وخيلاء بأننا دعاة الحرب وجيل التشدد ممن تجاوزتهم نواميس العولمة.. المهم أن عملية أوسلو هذه كانت تشهد حكومات اسرائيل المتعاقبة من رابين الى نتانياهو فباراك ثم شارون وقد أغرقت الاعلام الدولي الأمريكي بالذات وعودا وأمنيات وبشريات بأنها بسبيل تحجيم ثم وقف الاستيطان بالأرض المحتلة.. فماذا كان يحدث على نفس هذه الأرض المحتلة؟ تؤكد «الايكونوميست» أن الاستيطان الصهيوني زاد بنسبة 50 في المئة طيلة سنوات الوعود السلامية السبع بما في ذلك اتساع وتعقد شبكة الطرق الالتفافية الشهيرة التي ينفرد المستوطنون المغتصبون المجلوبون في معظمهم من أنحاء العالم بالمرور فيها كيما توصلهم الى حيث يريدون دون أن يجتازوا الأنحاء الفلسطينية التي كتب الحصار على أهلها وهم أصحاب الأرض الشرعيون. وكان من الطبيعي كما شهدت «الايكونوميست» أيضا أن تخترق هذه الطرق الالتفافية دواخل وصميم البساتين والمزارع الفلسطينية وأن تدمرها وأن تلحق بها ما شاءت من ضروب التمزيق والتخريب وها هو الأمر ينتهي الى شارون الذي كان مجيئه الى رئاسة الوزراء في المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني إيذانا أو نذيرا بأن الأمور قد عادت الى أصولها وهو أمر ايجابي بكل مراراته وخبائثه وشروره بالنسبة لمنطق الاشياء بمعنى أن سحبت من الصورة شخصيات الخداع والمكر السياسي وازدواجية الخطاب والحوار من أمثال بيريس الذي عقدت عليه أطراف عربية للأسف كثيرا من الآمال.. نحن في هذا السياق ندعو الى أن يتأملوا مليا تصريحات شارون التي أدلى بها مؤخرا الى جريدة (هاآرتس) الاسرائيلية والى مجلة (لوفيجارو) الفرنسية وجاء في صدرها اعلان شارون الذي قال فيه: إن حرب 1948 لم تنته بعد. شارون واللنبي على الفور تستدعي الذاكرة العربية المعاصرة العبارة الشهيرة التي أعلنها المارشال الانجليزي اللنبي حين دخلت جيوشه الغازية مدينة القدس وقال فيها: الآن انتهت الحروب الصليبية. كان ذلك عام 1920 وكانت الحروب الصليبية قد انتهت في سفر التاريخ ودفتر الواقع منذ تحرير صلاح الدين للقدس الشريف في القرن الثالث عشر للميلاد.. ولكن قولة المارشال الانجليزي الغازي أرسلها كي تكشف عما كان يضمره الغرب الأوروبي بعقليته الامبريالية المضادة للعروبة وللاسلام على مدى 700 سنة تقل أو تزيد.. لم تكن الحرب الصليبية بالنسبة لهم قد انتهت.. وحين غزت جيوشهم القدس في مستهل عقد العشرينيات أعلن كبيرهم كما أسلفنا انتهاء الحروب الصليبية.. وطبعا جاء هذا الاعلان مرادفا لاستيلاء الجيوش الانجليزية على كامل اقليم فلسطين تمهيدا لفرض انتداب عصبة الأمم عليها وكان هذا بدوره هو الوسط الحاضن الطبيعي لقيام اسرائيل في عام 1948. تعود «الايكونوميست» في أحدث أعدادها (25/5/2001) لتؤكد أن هذه العقلية الشارونية التي أدمنت استمرار الحرب قد أعطت نوعا جديدا وخطيرا من (الحرية) للجيش الاسرائيلي وتصف الأمر على أنه أقرب الى اطلاق الجنون المتوحش من عقاله.. وتقول (إن من بين صفوف الاسرائيليين أنفسهم من يرى في هذه الحريات الجديدة التي يتمتع بها الجيش الصهيوني وصفة تفضي الى كارثة محققة). وهي كوارث يمكن أن تصيب أي جهود لتسوية للسلام في المنطقة بل يمكن أن تؤدي بالمنطقة بأسرها الى خطر داهم وجسيم بما في ذلك مصالح الدول الغربية ذاتها في منطقة الشرق الأوسط على نحو ما أشارت اليه تصريحات أدلى بها مساء الأحد 20/5 الرئيس المصري حسني مبارك وهي تصريحات يدل سياقها وصياغتها على أنه لم يعد في القوس منزع ولا عاد في الصبر بقية كيف لا.. والحريات التي أسبغها نظام شارون على الجيش الصهيوني أتاحت لقواته أن تستخدم الطائرات الاسرائيلية السوبر حديثة من طراز ف-16 لقصف التجمعات والمنشآت المدنية في الأراضي الفلسطينية وتلك اضافة غاشمة ومدمرة الى جانب ما سبق استخدامه من صواريخ ودبابات وأجهزة استطلاع لتحديد مواقع الأفراد واغتيال المدنيين في اطار مخطط لا يمكن وصفه سوى بتعبير (ارهاب الدولة) أو تعبير (العقاب الجماعي) وتلك سلوكيات خاضعة بداهة لتأثيم وتجريم القانون الدولي الانساني. تمجيد إرهاب الدولة والأنكى والأدهى أن ثمة أوساطا صهيونية تنظر الى هذه العمليات من إرهاب الدولة وكأنها صفحات من المجد والفخار للعسكرية الصهيونية ولقد سبق للبروفيسور نعوم شومسكي أن تطرق الى المذابح التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي خلال أحداث حرب 1948 (التي لم تنته بعد في رأي أرييل شارون) فأشار الى مذبحة شمال الخليل التي ارتكبتها وحدة دبابات صهيونية وراح ضحيتها أكثر من ألف مدني حسبما هو محفوظ في سجلات الخارجية الاسرائيلية كما يؤكد شومسكي وكان بينهم 75 كهلا وطاعنا في السن من الرجال الذين قتلتهم الدبابات الاسرائيلية إذ كانوا عاكفين على الصلاة الجامعة يؤدونها بين يدي خالقهم في مسجد الناحية الصغيرة.. ومن عجب يضيف الأستاذ شومسكي أن تفخر العسكرية الصهيونية بهذه الجريمة الشائنة وتقول إنها تمثل تجديدا للرابطة التي تصل بين شعب اسرائيل وأرض اسرائيل (أنظر مختارات شومسكي تحرير جيمس بيك). من ناحية أخرى يكتب صحفي كبير منصف هو الأستاذ ويليام فاف (لوس أنجليوس تايمز 15/5/2001) قائلا: اذا كان شارون يتصور أن حرب 1948 لم تنته بعد فمعنى هذا أن لا سلام في منطقة الشرق الأوسط. في هذا السياق ينبغي أن نعرض بمزيد من تحليل مفصل لآراء الكاتب الأمريكي ويليام فاف ثم لآراء توماس فريدمان الصحفي الذي يثير جدلا كلما تكلم عن قضايانا وقد نشر بدوره مقالا مهما حث فيه أمريكا أن لا تقف موقف المتفرج وأن تكف عن لعب دور حكم المباراة.. وهذا موضوع الجزء الأخير من هذا الحديث. ـ كاتب سياسي من مصر