قبل سبع سنوات من الآن وقبل ان تتوفر لنا خدمة الانترنت واستخدام البريد الالكتروني في ارسال المقالات والتغطيات وصورها الى مقر الصحيفة كان لا مفر للواحد منا وهو يلاحق عقارب ساعته ، قبل ان تدور ماكينة الطباعة سوى ان يمتطي صهوة سيارته الى مقر الصحيفة مخترقاً اعصابه وزحام الشارع يدق بيديه على مقود السيارة عند اشارات المرور الحمراء لكي تفتح له الاخضر والطريق السالك حتى يصل بخبره وصورته الفريدة الى القارئ فجر اليوم التالي.. اليوم تكبس زراً صغيراً فتطير الصورة ويطير حبر الخبر الى بقاع العالم لا حدود ولا اشارات مرور حمراء.. هزمت التقنية الحديثة الزمان والمسافات وصار الصحفي ومذيع التغطيات الاخبارية من موقع الحدث على حد سواء فماذا تبقى لرقيب زمان.. لا شيء سوى الذهول. وقبل سبع سنوات ايضاً كان لي موقف مع شرطي مرور استوقفني في نقطة تفتيش وأنا في طريقي الى الصحيفة حاملاً خبراً عاجلاً للنشر وكان الحق معه فالسيارة مطلوبة للجهة الممولة نتيجة تأخري في دفع القسط قال: السيارة مطلوبة ولابد من حجزها الآن، قلت: حاضر ولكن دعني أوصل هذا الخبر العاجل وسأعود اليك في الحال، لم يصدقني، طلبت منه ان اترك وثائقي كضمان فرفض، اخبرته انني صحفي وفي مهمة فرد بأنه شرطي وفي مهمة ايضاً مهمتي ان أصل بسرعة بواسطة السيارة ومهمته ان يحتجزها.. بقيت عند رغبته ففي النهاية هي رغبة القانون.. تدبرت امري بعد عناء وتأخير وانتهت الحكاية.. في اليوم التالي افرج عن سيارتي بسرعة لأن الأقساط مسددة اصلاً وكانت المشكلة فقط في ان احداً لم يخبر ذلك الشرطي برفع بلاغ التعميم، لا لوم عليه فوقتها كان الكمبيوتر لغزاً على الجميع وسراً من أسرار الفلك!! هذه ليست حكاية لاجترار القصة بين الصحفي والشرطي فهناك حكايات لا عد لها على الغرار نفسه او ما شابه.. وانما الحكاية ان الصحفي للآن مازال ينظر اليه على انه وسيط وناقل اخبار، مسير بين جهة المصدر وجهة الصحيفة، وهذا الفهم للأسف الشديد ترسخ منذ زمن طويل، وقد تعودناه ولهذا لا تستغرب عند تغطيات الاحداث والتواجد فيها ان يوكزك احدهم ويقول لك ممنوع المرور من هنا، ابق بعيداً، الخبر سوف يرسل بالفاكس، غداً نصرح بالأمر، لا تنشر هذا الكلام اليوم، انشره غداً، اكتب ما أريد ولا تسأل.. الدخول بالدعوات الخاصة، البطاقات الصحفية غير مصرح لها بدون دعوة، هذا عدا عن ذلك الذي يقول لك: صحفي وماذا بيدك ان تفعل؟! ترسخ مفهوم الصحفي المراسل وليس بمعناه الحقيقي، بل بالسالب، فهو كمراسل البريد، أو مراسل الأقسام الذي ينقل معاملة من مكتب الى الآخر.. انه هكذا في الحقيقة.. ماذا يعني احتجاز بطاقة صحفي؟ وماذا يعني سحب كاميرا صحفية؟ وماذا يعني ان تغلق الأبواب في وجهك لأنك صاحب مهنة غير معترف بأهميتها وحقوقها عند البعض؟!