لم يتورع قادة الكيان الصهيوني عن الإعلان صراحة إنهم يستخدمون وسائل الحرب الفعلية في الأراضي المحتلة، فيما يبدو أنه محاولة لجر الدول العربية إلى مواجهة عسكرية تخرج الصهاينة من المأزق، الذي وضعتهم فيه انتفاضة الشعب الفلسطيني البطل التي كشفت عوراتهم الإجرامية وفضحت أكاذيبهم أمام العالم، على نحو باتت الانتفاضة معه تكتسب مع بزوغ شمس كل صباح جديد إجلالا وإكبارا بقدر ما تنتقص من رصيد التعاطف الذي كان هؤلاء المجرمون قد اكتسبوه بفضل براعتهم في تزييف الحقائق. ويبدو أن قادة الكيان باتوا يأملون أن يضمن لهم التهديد باشتعال المنطقة العودة إلى ابتزاز العالم لنجدتهم بما يضمن تأبيد سيطرتهم على المناطق التي اغتصبوها. وإذا كان القادة العرب على المستوى الرسمي يلتزمون ـ حتى الآن ـ أقصى درجات ضبط النفس، وسط جهود دبلوماسية مضنية علنية (وسرية بالطبع) للحيلولة دون تحقق المخطط الصهيوني، بينما تفرض عليهم المواقع الرسمية والالتزامات الدولية والاعتبارات المحلية توخي أقصى درجات الحذر، ومراعاة حسابات ربما لا يكون بعضها واضحا أمام الشارع العربي الذي صارت مواصلة كظم غيظه مستحيلة. فإن هذا الشارع مازالت أمامه خيارات عديدة تمكنه من شن حروبه الخاصة التي يملك بالقطع خيوطها في يده. وهاهي «اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية» التي شكلها في مصر لفيف من المثقفين والفنانين والمهنيين والطلاب، وبدأت عملها بحملة لجمع مليون توقيع على مطالبة للأمين العام للأمم المتحدة لتأمين حماية دولية للفلسطينيين وملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، تتولى في نفس الوقت جمع التبرعات وإعداد قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية والطبية وإرسالها إلى الأراضي الفلسطينية عبر منفذ رفح على الحدود المصرية، كما قامت بتدبير أماكن لإقامة جرحى الانتفاضة الذين يترددون على أرض الكنانة طلبا للعلاج. وها هي أيضا نقابة الصيادلة المصريين تفرض مقاطعة على إحدى شركات الدواء العالمية لإرسالها تبرعات دوائية لسكان المستوطنات وقبل ذلك نجحت المقاطعة الشعبية المصرية في دفع شركة استثمارية كبرى إلى الانسحاب من السوق المصرية التي كانت تأمل في أن تكون بوابتها للتوسع في الشرق الأوسط، كما أوضحت تقارير اقتصادية متعددة كيف منيت شركات الأغذية السريعة والمشروبات الغازية المعروفة بخسائر بسبب مقاطعة المواطنين العاديين لمنتجاتها في مصر، ناهيك عن أعمال الاحتجاج التي تمارسها النقابات وفي الصدارة منها نقابتا الصحفيين والمحامين. بيد أن الارتفاع إلى مستوى الحرب التي أعلنها الأعداء يتطلب تجاوز هذا المستوى الفردي من المواجهة إلى مستوى أشمل وأعم، ولعل المبادرات الشعبية التي برزت في أبهى صورها في مصر والأردن بالذات تكون دافعا لقيام لجان شعبية مماثلة في جميع الأقطار العربية، يجري التنسيق بينها لدعم أبطال الانتفاضة. كما تظهر الحاجة إلى التنسيق بين نقابات الصحفيين العربية تحت مظلة اتحاد الصحفيين العرب لإقامة ندوات ومعارض صور مثلا في العواصم الغربية بالذات لحشد التأييد وجمع التبرعات. وكذلك التنسيق داخل اتحاد المحامين العرب لرفع دعاوى في المحاكم الدولية ضد مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم في حق الإنسانية منذ 1948 والمطالبة بالتعويضات عن هذه الجرائم. ولا نغفل أيضا في هذا الصدد دور نقابات الفنانين وغيرها من صور الحرب الشعبية التي تنقل من مجرد إدانة العدو وجلد الذات أو الاكتفاء بتفريغ الغضب في هتافات ومظاهرات، إلى القيام بعمل ملموس ومنظم طويل النفس، وليس مجرد هبة انفعالية تخبو جذوتها بعد فترة. الحرب الفعلية قامت بالفعل حتى وان لم تتخذ شكل المواجهة العسكرية المباشرة، ولن ينتصر في هذه الحرب إلا ذوو الجلد وطول النفس. وعلينا أن ندرك أن الوقت في النهاية لصالحنا وليس في صالحهم. فلسنا في عجلة للقبول بأي تسوية يفرضونها. إن شهداءنا يقبلون على الشهادة وهم مؤمنون بما يفعلون، وأهليهم ـ رغم آلام الثكل ـ يفخرون بهم ويؤمنون أنهم ما خلقوا إلا لهذه الشهادة، بينما تتزعزع أركان الكيان مع كل عملية مقاومة بطولية استشهادية ويضعف كيانهم مقتل أي فرد منهم لأنهم يعلمون أنهم مغتصبون عابرون ووجودهم إلى زوال. شهداؤنا لم يخسروا شيئا سوى أغلالهم، أما أعداؤنا فكل يوم يمر ـ والانتفاضة صامدة ـ يقرب موعد رحيلهم الحتمي.