مر بي كتاب جميل يحمل دعوة جليلة هي اعادة اللغة العربية الفصحى وبعثها من جديد لتكون لغة العامة والخاصة على السواء وتلك غاية لعمري تقف أمامها عقبات كالجبال اجتيازها لا يتأتى بهدمها بل باختراقها، أما الكتاب الذي قدمت فهو «تأملات في اللغو واللغة» لمؤلفه المغربي محمد عزيز الحبابي، وهو محاضرات ألقيت في أوقات مختلفة إلا انها تتمحور جميعها حول موضوع واحد هو اللغة، والكتاب باختصار شديد يحاول كاتبه ان يحيي اللغة العربية الفصحى أو بتعبير أصح ان يحيلها من لغة نخبة خاصة الى لغة الأمة وذلك كما يعتقد المؤلف حفاظاً على اللغة الفصحى فهو يدعو الى أن تكون الفصحى لغة دارجة دون إطاحة بالبنيات لأن تقويض أركان اللسان العربي جريمة. وهذه الفكرة فكرة ثورية جديدة برغم ما يلابسها من اختلاف مع صاحبها في وسائله التي منها أنه يرى أن في بعض قواعد اللغة مشكلة يجب ان يوجد لها حل حين يقول: «فلا يكفي ان نستبدل (مبتدأ وخبر) بمسند إليه ومسند بل الأمر الملحاح هو حل مشكل نون النسوة والعدد والممنوع من الصرف وحروف العلة في الفعل الأجوف مع تسهيل الاعراب». وذلك الرأي وإن كان ظاهره الحل فباطنه مشكلة أكبر وهي مشكلة صدام حتمي سيقع بين جيل سيتعلم لغة جديدة تتغاضى عن الممنوع من الصرف وعن تناسب العدد والمعدود تأنيثاً وتذكيراً، وبين فهم ذلك الجيل للغة القرآن الثابتة على تلك الأشكال اللغوية التي هي وعاء لغة القرآن الخالدة. وهو أي المؤلف برغم ذلك له آراء اخرى غاية في القيمة نقف عندها احتراماً وتقديراً منها مثلاً رأيه بضرورة وضع الحركات (التشكيل) على الحروف وتحتها فيقول: «أولاً وقبل كل شيء ان نفرض شكل الكلمات بوضع الحركات على الحروف مهما كلف ذلك من جهد» وذلك حق فبهذه الطريقة سيتعلم القارئ تلقائياً وبتكرار القراءة ان الفاعل دائماً مرفوع والمفعول به منصوب ونائب الفاعل مرفوع وان الأسماء التي تأتي ما بعد ان وأخواتها منصوبة وان اخبارها مرفوعة وان الحروف تجر ما بعدها وان كان وأخواتها ترفع ما بعدها من الأسماء وتنصب أخبارها الى غير ذلك... كل ذلك الذي تقدم والذي هو قواعد لغوية يستغرق تعلمها أياماً بل أشهر وسنين فإذا ما أهملت نسيت لاشك انها بقراءة المطبوعات التي يصر طابعوها على تشكيلها بالحركات ستكون أرسخ لأنها ستكون ملاحظة متكررة دائماً والتكرار كما هو مرسخ للأخطاء أيضاً هو مرسخ للصحيح والسليم. ثم يرى المؤلف حلاً آخر قد لا نتفق معه فيه كثيراً وهو قوله: «ان تنزل اللغة العربية من سماوات الأساطير الى أرض الواقع لتجسد الجهاد اليومي في غمرات الحياة وهذه المرحلة بدأت منذ أكثر من نصف قرن ويرجع الفضل في ذلك الى شعراء وكتاب وصحفيين». انتهى كلام المؤلف، ولعله يعني هنا أن يستعمل الشعراء والكتاب لغة بسيطة بعيدة عن التقعر والمفردات والألفاظ الوحشية في كتاباتهم وإن كان هذا هو الأمر فلا بأس ولكن الخوف والكارثة ان يصل التبسيط كما نراه الآن الى مرحلة أصبح فيها الكتاب وأدعياء الشعر يكتبون بلغة لا ينطبق عليها القول بأنها سهلة ممتنعة بل هي ركيكة بشعة تدل على استهانة باللغة وتفجير لها بحجة الكتابة بعفوية وبغير تصنع. فظهر من الشعراء من لا يريد ان يحاسبه أحد على ضعف لغته وركاكتها بحجة أن ذلك نقد لغوي يسميه نقداً (مدرسياً) أو نقد سيبويه. لذلك فإن القول بالتبسيط له ضوابطه التي لا يستطيعها الا الكتاب المتمكنون من لغتهم أولاً، فالتبسيط الذي يجب ان يدعى إليه ليس التساهل في الإلتزام باللغة وإنما البحث عن مفردات ليست بالوحشية المغلقة ولا السوقية المبتذلة وهذا على ما أظنه رأي الكاتب ايضاً. ثم إن الكاتب يرى حلاً ثالثاً لجعل الفصحى لغة حياة لهذه الأمة فيقول: (أن نمد لغتنا العربية بعروق وأعصاب جديدة لتكتسب فتوة وقوة وباختصار ان ننفث فيها مضامين عصر التصنيع الكبير وبما ان هذه المضامين ليست للعالم العربي في وضعه الحاضر يجب ان نبحث عنها في الغرب حيث توجد وقبل ان ننقل الافكار والتعابير الغربية يجب ان ندركها بوضوح كي تتقولب في الذهن العربي لكن هذا لا يتحقق ولن يتحقق الا بالاستعانة باللغة او اللغات التي تكونت بها مضامين وأشكال هذه القضية، هذه العملية هي التعريب أي المحافظة على الأصول والضوابط للغتنا مع التفتح على الحضارة المعاصرة). انتهى كلام المؤلف. وأقول إن هذه المقولة في أحد شقيها وهو التعريب هينة سهلة وهو تعريب المصطلحات العلمية والصناعية لأن كثيراً من علماء اللغة العرب يجيدون اللغات الأجنبية التي هي مصدر تلك المصطلحات ولكن المشكلة على ما أعتقد تكمن في كيفية احلال تلك المصطلحات العربية محل الأصلية الأجنبية في الحياة العملية، ان المصطلحات العلمية طبية وصناعية وغير ذلك هي مصطلحات تأخذ صفة العالمية بلغاتها التي صدرت بها لأنها لصيقة بجنس العمل او الصناعة أو العلم فإذا كان المنتج انجليزياً أخذ مسماه المشتق من لغته الانجليزية صفة العالمية بلغته الأصلية لذلك السبب ولا يمكن احلال مصطلح آخر محله بلغة اخرى فيأخذ ذلك المصطلح المترجم نفس ما أخذه المصطلح بلغته الأصلية ذات الصيت والشهرة والاستعمال. وسيبقى ذلك المصطلح المترجم الى العربية مثلاً حبيس معاجم المجامع اللغوية لا غير لأنه فارغ من مضمونه غير دال على ملموس بين أصحاب تلك اللغة، فالأمر ليس أمر تسميات وتعريب حتى يمكن ان تقول عن لغة أنها لغة يمكنها ان تتسع للمخترعات ولكنه أمر تصنيع واختراع في البداية اختراع عربي يفرض مسماه باللغة العربية على كل أجناس الأرض. إذن فالأمر أمر احياء للغة بإحياء الأمة وإحياء الأمة في رأيي يتأتى في إحياء للغتها بالاعتزاز بمصدر تلك اللغة وكتابها الخالد وهو القرآن الكريم والعناية به عناية تجعله محفوظاً في صدور أبناء الأمة لا برسمه وزخرفته بل بحفظه واقامة الألسنة عليه حتى يصبح البدوي والحرفي والصغير والكبير يجيدون قراءته قراءة سليمة تهون عليهم أمر فهم اللغة العربية الفصحى وآدابها القديمة والحديثة والمعاصرة فينتج بذلك نهضة أدبية تواكبها نهضة علمية تسخر لأجلها مقدرات وإمكانيات هذه الأمة لينتج عنها مخترعات عربية تفرض مسمياتها لا من خلال مجامع اللغة بل من خلال مجمعات الصناعة مخطوطة في السماء العربية بدخان مصانعها. salzomr@hotmail.com