لعلها مأساة كبرى أن تتبخر هكذا الجهود الحثيثة التي بذلها عشرات السياسيين والدول على مدى عشرة أعوام في الاستثمار في سلام الشرق الأوسط. لكن هذا يثبت أيضاً من الجانب الآخر، أن الحلول غير العادلة التي تفرض على الشعوب لا يمكن ان تدوم. وان الجهد المبذول في تسويق مثل هذا الحل وتسويغه لا يمكنها ان تصادف نجاحاً، حتى وان تمت على أيدي اشهر الخبراء والمهرة في مجال التسويق. ولهذا السبب لم يكن مدهشاً ان اشهرا قليلة، هي تلك التي سبقت انتخاب ارييل شارون رئيساً للحكومة في إسرائيل، أي حينما كانت هذه الحكومة تحت زعامة ايهود باراك، وأشهراً قليلة اخرى اعقبت فوز شارون في فبراير الماضي، كانت كفيلة بإهدار جهد العشرة اعوام من العمل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي الشاق ادراج الريح. ولكن هل يتعلم السياسيون أو الحكومات، ناهيك عن البشر عموماً، من تجارب الماضي؟ الواقع لا يقول ذلك. فشارون بسياسته التدميرية الحالية وحرب الابادة التي يشنها ضد الفلسطينيين، يدفع المنطقة كلها وليس الفلسطينيين وحدهم أو الإسرائيليين فحسب، الى حافة الحرب. وهي حرب قد تكسبها إسرائيل بفضل قوتها العسكرية، لكنها لن تقدم حلاً لمشاكلها. لأن طبيعة هذه المشاكل والمتمثلة في احتلال أراضي الفلسطينيين وتشريدهم لا يمكن ان تحل بالقوة العسكرية، كما ثبت ذلك طوال الاعوام الخمسين الماضية. وكان هذا نفسه الأساس المتين الذي بنيت عليه عملية السلام في المنطقة في اطار مضامينها الحاثة على العدل والشمول الذي يصون الحقوق ولا يعرضها للضياع. تصعيد نحو المجهول ألا يصح القول إذن أن شارون انما يجرب حلاً، فشل في الاختبار؟ نعم، وربما جاز القول ايضاً إن الحكومات العربية (وأن كان دافعها العجز كما تقول وليس الحكمة) قد احسنت صنعاً بعدم انجرارها خلف شارون في تفجير المنطقة. ولكن هذا حدث الآن، في حين لا أحد يعرف ما اذا كان الحال سيظل كذلك في المستقبل القريب، سيما إذا اصرت الحكومة الإسرائيلية على المضي في مشروعها الرامي الى اذلال الفلسطينيين وتركيعهم. يمكن القول ايضاً إن هذا المشروع يهدف في أحد جوانبه الى ابتزاز الحكومات العربية، لدفعها للضغط على الفلسطينيين، وإلا واجهت المتاعب والمشاكل الداخلية. إن الحكومات الإسرائيلية تعلم بأن استمرار القتل الذي يتعرض له الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، واستمرار مشاهد التوابيت والقتلى والجرحى، لابد أن يؤدي مع الوقت الى حدوث غليان في الشارع العربي ومطالبات اكثر للحكومات العربية بالتحرك وردع إسرائيل. وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه، فإن من هذه المطالبات يمكنها أن تتحول الى اعمال عنيفة. وقد شهدنا جانباً من هذه الحالة في الأردن الأسبوع الماضي حين قمعت الشرطة الأردنية عدة آلاف من المتظاهرين الذين قادتهم جماعة الاخوان المسلمين، وكانوا يحاولون التعبير عن غضبهم مما يحدث على الضفة الأخرى من نهر الأردن في يوم النكبة. وكان أخطر ما تلا منع التظاهرات هو الاتهامات التي وجهت للحكومة الأردنية والتي تركزت على اتهامها بمماثلة إسرائيل والدفاع عنها ومخالفة الدين الاسلامي والكفر وما شابه. إن شيئاً من هذا أو أشد منه يمكن أن يحدث في بلدان عربية أخرى. وإذا اتجهت الأوضاع في الأراضي الفلسطينية الى المزيد من التدهور وتصاعد القمع الإسرائيلي الموجه ضد الفلسطينيين (وهذا ما يبدو أن الأحداث تسير باتجاهه) فإنه سيكون من الصعب ضبط الشارع العربي أو التحكم بردود أفعاله. وهكذا فإن الحكومات العربية ستجد نفسها مع الوقت أمام خيارين كلاهما مر. إما الدخول في لعبة شارون التصعيدية المنذرة بالحرب أو قمع شعوبها وتحويل الصراع نحو الداخل. وهما خياران لا يبدو أن أحداً يفضل اتخاذهما الآن، لكن من يدري ما الذي سيحدث في المستقبل القريب. هذا على المدى القريب أما على المدى البعيد فإن الأفكار الراديكالية والأكثر تشدداً الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي هي المرشحة للرواج والتجذر أكثر فأكثر لدى الشارع العربي. ومع هذا الرواج تكسب الحركات الدينية مواقع جديدة لها كل يوم على حساب الحكومات بالضرورة. يمكن القول إن نهج التشدد الإسرائيلي الذي يمثله بجدارة غير مسبوقة شارون وبعض اعضاء حكومته امثال ليرمان وزئيفي، لا يرمي فحسب الى قمع الفلسطينيين وتشريدهم ثانية وانما ايضاً الى قلب الطاولة في وجه الحكومات العربية وإغراق المنطقة في موجة صراع جديدة. مأزق الحكومات العربية ويبدو أن عدداً من هذه الحكومات أو معظمها قد بدأ يستشعر خطورة المشروع (الشاروني)، وبالنظر الى الصعوبة الناجمة عن قمع المحتجين والغاضبين في الشارع العربي، في ظل المآسي التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، فإن الاتجاه الوحيد المتبقي هو تصعيد نبرة الخطاب السياسي والاعلامي الموجه لإسرائيل، على الاقل كنوع من المواكبة. وقد بدأت بعض الدول العربية بالفعل في تغيير خطابها، وتكييف مصطلحاته لتلائم الوضع الجديد. لكن السؤال هو: ما المدى السياسي أو الإعلامي الذييمكن أن تذهب اليه الحكومات العربية في مواجهة التصعيد الإسرائيلي؟ إن حرباً عربية إسرائيلية تبدو غير واردة وقد اعربت معظم الدول العربية عن قناعتها هذه، إما باستعراض فادحة الخسائر الناجمة عن مثل هذه الحرب وعدم قدرة الجانب العربي على تحملها، وإما بالقول إن المجتمع الدولي لا يسمح بمثل هذه الحرب. ومن الجانب الآخر لا تبدو ثمة امكانية للسيطرة على المشاعر المتأججة للشارع العربي والمعادية لإسرائيل والولايات المتحدة، في حين ان تصعيد النبرة الخطابية الرسمية الموجهة لإسرائيل، هو الآخر وان بدا حلاً وسطياً، فإنه يظل مؤقتاً، ومرهوناً بعدم حدوث تصعيد كبير في الوضع. وتعمل الدول العربية حالياً على الحيلولة دون أن يؤثر هذا الخطاب على علاقتها بالولايات المتحدة، وألا يضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة بصورة جدية. فالعلاقات مع الولايات المتحدة هي بالنسبة لكثير من الحكومات العربية بمثابة خط احمر، لا يجب تجاوزه في كل الاحوال، حتى في ظل القناعة بأن مواجهة الموقف الاسرائيلي لابد ان تقود الى مواجهة مع الولايات المتحدة باعتبارها الحليف والداعم الاساسي لإسرائيل. ورغم ذلك فإن ادارة الرئيس بوش لا تبدي حماسة كبيرة لمد يد المساعدة للعواصم العربية لإخراجها من هذه الورطة. ربما لأنها تريد معاقبة بعض هذه العواصم، لعدم نصحها القيادة الفلسطينية بقبول العرض الذي قدمه رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق ايهود باراك في قمة (كامب ديفيد 2) والقاضي بمنح الفلسطينيين السيادة على 95% من أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة. بعبارة أخرى فإن الحكومات العربية تجد نفسها في ظل مأزق يتزايد يوماً بعد يوم. وهي لا تدري ماذا تفعل، وإلى من تلجأ؟ لقد بدأت بعض هذه الحكومات في بث نداءات استغاثة للولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والأمم المتحدة للتدخل ومنع شارون من جر المنطقة للحرب. وقبلها كانت المبادرة المصرية الأردنية ومحاولات الوساطة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. كانت هذه جميعها محاولات لتفادي مأزق عربي رسمي يلوح في الأفق. لكن يبدو انها جميعها لم تجد فتيلاً. وبدون مبالغة فإن زمام المبادرة في حل هذا المأزق هو الآن في يد الحكومة الإسرائيلية، وهذه الأخيرة من اللؤم والعنصرية بحيث لا يظهر انها سوف تقدم ما يساعد على حله. هل يمكن القول إن المنطقة العربية والحالة هذه تتجه الى المزيد من التصعيد؟ المؤشرات جميعها تدل على ذلك، فيما جوانب هذا التصعيد لن تمس المشكلة الفلسطينية فحسب وانما يبدو انها ستترك تأثيراً كبيراً على بعض الحكومات العربية، والتي لوح بعض المسئولين الفلسطينيين على شاشات بعض التلفزيونات مؤخراً بأن بينها من قد يتعرض للتغيير وربما السقوط. ـ كاتب بحريني