جاء قرار جامعة الدول العربية الاخير بضرورة دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني في دفاعه عن حقوقه المشروعة ضد العدوان الصهيوني خطوة موفقة ومبشرة بقدرة الامين العام الجديد، عمرو موسى على تحريك الاوضاع الساكنة في الشارع العربي نحو مواقف اكثر ايجابية في دعم الشعب الفلسطيني في مقاومته الباسلة والمشرفة دفاعا عن ارضه ومقدساته في زمن لم يبق فيه شعب تحت الاحتلال في العالم كله من شرقه الى غربه سوى الشعب الفلسطيني الذي قدم العديد من التنازلات في سلسلة طويلة من المفاوضات من أجل الحصول على جزء من حقوقه في اقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع. لكن سلطات الاحتلال الصهيوني كشفت عن وجهها القبيح في رفضها الدائم تنفيذ الاتفاقيات المبرمة وفي زرعها الدائم والمستمر لعشرات المستوطنات فوق الاراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع حتى تكون ذريعة للتدخل الصهيوني في تلك المناطق اذا سلمت للسلطة الفلسطينية بحجة حماية المستوطنين اليهود المقيمين في تلك المستوطنات ثم جاءت زيارة الارهابي ارييل شارون الى الحرم القدسي لتشعل نيران الغضب في النفوس الفلسطينية والعربية والاسلامية وهي زيارة مدروسة ومتفق عليها بين زعماء دولة الكيان الصهيوني الذين وفروا لشارون ثلاثة آلاف جندي كحراسة خاصة ثم كافأه الشارع الاسرائيلي على تلك الزيارة باختياره رئيسا للوزراء لأنه المعبر الحقيقي عما يدور في نفوس هذا الشارع تجاه الفلسطينيين العزل وتجاه عملية السلام. وقد سعى هذا الارهابي الى ابادة هذا الشعب الفلسطيني الاعزل الذي يواجه حربا حقيقة من واحدة من اعتى ترسانات الاسلحة في العالم والتي استخدمت كافة الاسلحة المحرمة دوليا في حرب وقتال هؤلاء العزل الا من ارادتهم وايمانهم بحقوقهم فاستخدم الجيش الصهيوني في تلك الحرب القذرة رصاص الدمدم والقنابل السامة المسيلة للدموع اضافة الى استخدام الدبابات والجرافات والبواخر البحرية وطائرات الهليكوبتر بل والمقاتلات اف ـ 16 الضخمة في تصفية الشباب الفلسطيني والطائرات الحربية ونسف المنازل والبيوت.. هذا العدوان الصهيوني الشرس لا يفرق بين طفلة رضيعة ولا شيخ كبير ولا امرأة، فصوب رصاصه الغادر نحو الجميع فقتل طفلة رضيعة لم تبلغ اربعة اشهر واصاب امها ووجه رصاص الخيانة الى رجال الشرطة الفلسطينية وهم في طريق عودتهم بعد مفاوضات امنية مع دولة الكيان الصهيوني ونسفه لمقار السلطة الفلسطينية بصفة مستمرة يؤكد ان دولة الكيان الصهيوني تسعى الى التخلص من الشعب الفلسطيني بكامله حتى تتحقق اوهامهم القديمة فتصبح فلسطين ارضا بلا شعب وهم وحدهم أصحاب تلك الارض. وقد جاء قرار جامعة الدول العربية في هذا الوقت بالذات ليكتسب اهمية خاصة وذلك لمجموعة اعتبارات على رأسها ان الامين العام الجديد الذي يكتسب رصيدا من الحب والتأييد الجماهيري الواسع في الشارع العربي يريد ان يخرج تلك المؤسسة عن وضعها السلبي الراهن كمنظمة اقليمية محدودة التأثير والفاعلية الى منظمة اكثر نشاطا وتأثيرا في الواقع العربي الراهن خصوصا في ظل التحديات العديدة التي تواجه امتنا وعلى رأسها الصلف الصهيوني وغطرسته في الاراضي الفلسطينية وعلى الدول العربية اعضاء المنظمة مساعدته في تحقيق الفاعلية والاستقلال المالي والاداري لتلك المنظمة حتى تصبح اكثر تعبيرا عن الارادة العربية وأكثر استجابة للتحديات المستقبلية خصوصا في ظل التكتلات الدولية الراهنة والتي ايقن العالم شرقا وغربا انه لا حياة الا في ظل تلك التكتلات التي تضمن حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عالم اصبح بفضل التقدم التقني والتكنولوجي اشبه بقرية صغيرة. كما يأتي قرار جامعة الدول العربية مع الاتصالات المكثفة التي اجراها الرئيس المصري حسني مبارك مع مجموعة من زعماء العالم شرقا وغربا للتصدي للانتهاكات الصهيونية المتكررة وخصوصا بالغارات على الضفة والقطاع بالطائرات الحربية اف 16 والاباتشي فاتصل بالرئيس الامريكي وبكل من الرئيس الفرنسي والرئيس الروسي ومستشار الامن الالماني ورئيس الاتحاد الاوروبي والجديد في هذا الامر الذي يدعو الى التفاؤل هو ان الرئيس المصري بهذا التنوع الواسع في اتصالاته يريد ان ينبه امريكا ان هناك في العالم قوى عظمى اخرى لها مكانتها في التأثير في مجريات الاحداث العالمية وبالتالي سحب الاضواء عن واشنطن كمركز الثقل السياسي العالمي وربما يؤكد هذا زيارة الرئيس المصري الاخيرة الى كل من روسيا وألمانيا في رسالة واضحة الى واشنطن بأنها ليست وسيطا نزيها ولا القوى الوحيدة في العالم الذي تدبر شئونه حسب ما تريد او حسب ما يحقق مصلحتها ويحفظ امن حليفتها وربيبتها دولة الكيان الصهيوني. هذه التحركات والمواقف السياسية من قبل امين عام منظمة الجامعة العربية عمرو موسى صاحب المواقف الصلبة والمشرفة من دولة الكيان الصهيوني والذي حرص على دعوة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الى المنظمة العربية ليشرح من خلالها التسويفات الصهيونية ويفند الاكاذيب التي تبثها في مختلف ارجاء العالم بأن الفلسطينيين هم الذين رفضوا التوقيع على المفاوضات مع باراك الذي قدم للفلسطينيين تنازلات ضخمة وهو ما تردده الآلة الاعلامية الامريكية التي يسيطر عليها اليهود من ان ما رفضه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لا يمكن ان يقبله انسان فلسطيني او عربي او مسلم شريف ونزيه. وتلك الاتصالات التي يجريها الرئيس المصري حسني مبارك مع قادة العالم تبشر بأن العرب خرجوا من عنق الزجاجة الامريكي الذي توقفوا امامه طويلا على امل ان يكون وسيطا نزيها لكنهم ايقنوا انه لا يمكن ان يكون نزيها ولا عادلا وأنه آن الآوان للتحرك شمالا وشرقا وشمالا نحو الاتحاد الاوروبي الذي وجه الى امريكا لطمة قوية فأخرجها لاول مرة من لجنة حقوق الانسان بالأمم المتحدة ثم لحقتها بعد ايام قلائل هزيمة اخرى بخروجها من لجنة الاشراف الدولية على مكافحة المخدرات. وأيضا نحو محور شرقي يضم روسيا والصين والهند كدول كبرى لا يمكن تجاهلها في التوازنات والتحالفات الدولية ولا في حسم الصراعات والقضايا الدولية والاقليمية وهذا ما اكدته الاحداث الاخيرة وبرهنت عليه بوضوح اتصالات الرئيس المصري وزياراته الاخيرة لعدد من الدول. فعلى الدول العربية حكومات وشعوبا ان تتواصل مع هذه الجهود بدعمها والتواصل معها حتى تدرك لأمريكا وربيبتها دولة الكيان الصهيوني بأن العالم ليس حكرا عليهما وأن هناك محاور وكتلا دولية لا يمكن تجاوزها او تجاهلها في صنع القرارات الدولية وهذا ما يمكن ان يدعم الحقوق العربية في طلب الفلسطينيين بارسال حماية دولية الى الاراضي الفلسطينية المحتلة في مجلس الامن وأظن ان امريكا ليست غبية حتى لا تفهم هذه الرسائل العربية القوية بأنها ليست وحدها التي تدير شئون الكون. كاتب مصري ـ جامعة الامارات