مشروع «العقوبات الذكية» الذي ابتكرته ادارة بوش الابن بغرض ابقاء نظام العقوبات المفروضة على العراق الى الابد هو في حد ذاته مشروع شرير بما يكفي. لكن المشروع يعكس في الوقت نفسه، ذهنية تنطوي على شر اعظم وخبث ادهى، فإدارة بوش التي تنشط لمعاقبة العراق العربي رغم ضعفه هي ادارة بوش التي لا ترى في الآلة الحربية الاسرائيلية ـ وقد تفرغت لمدى شهور لحصد الشعب الفلسطيني ـ ما يستدعي معاقبة الدولة اليهودية. بل ان الادارة الامريكية جعلت من نفسها مكتب علاقات عامة لخلق تبريرات لجرائم الحرب الاسرائيلية. ومرة اخرى سوف يتساءل العالم: كيف تتصرف الدول العربية تجاه الولايات المتحدة وقد اعترفت بتجديد الحكم بالموت البطيء على العراق انطلاقا من الثوابت الامريكية لحماية الامن الاسرائيلي؟ ولكن قبل ذلك ماذا يقول المشروع الامريكي نفسه؟ ان هذا المشروع لا ينطوي على اي تغيير جوهري في نظام العقوبات المطبقة منذ اكثر من عشر سنوات على العراق. ورغم انه يبدو وكأنه يتضمن تغييرا في «ميكانزم» نظام العقوبات فإن صورة هذا التغيير الشكلي تتبدد عندما يمعن المرء النظر في تفصيلاته. ان المرتكز الاساس لنظام العقوبات القائم في اطار صيغة «النفط مقابل الغذاء» يتمثل في سلب العراق من سيادته على موارده المالية كدولة مستقلة ونقل هذه السيادة الى قوة خارجية هي لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة والتي تتكون من ممثلين للقوى الدولية الخمس الكبرى الاعضاء في مجلس الامن الدولي: الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين. هذه اللجنة الدولية هي المتصرف الاوحد في العائدات المالية لصادرات النفط الخام العراقي. وبما ان كل عضو من اعضاء اللجنة له حق الفيتو كما هو الحال في مجلس الامن فإن ممثل الولايات المتحدة درج على استخدام الفيتو بأسلوب كيدي سياسي من اجل احباط معظم طلبات الاستيراد الضروري التي تتقدم بها الحكومة العراقية متعللا بمختلف الحجج المتبطلة. وكانت النتيجة ان الولايات المتحدة تسببت بتراكم الطلبات في اصابة اللجنة بالشلل شبه الكامل. مشروع العقوبات الذكية هو اذن عملية ترميمية لضمان انطلاق لجنة العقوبات باقتراح وسيلة للبت السريع في طلبات الحكومة العراقية. وهذه الوسيلة، وفقا للاقتراح الامريكي، تتمثل في ثلاث قوائم حصرية ومفصلة، الاولى تشتمل على السلع المسموح للعراق باستيرادها ـ وهي سلع مدنية بالضرورة ـ والثانية للسلع المحظورة تماما، وهي سلع عسكرية، والثالثة لسلع اخرى محظورة صنفت امريكيا على اساس انها تصلح للاستخلام المزدوج ـ اي يمكن ان تستغل للاستخدام العسكري بقدر ما هي صالحة لاستخدام مدني. وهكذا عن طريق «العقوبات الذكية» تهدف واشنطن الى ازالة مشكلة اجرائية شكلية هي التي خلقتها بنفسها في المكان الاول بعد ان اتسع نطاق التذمر العربي والدولي ضد العقوبات المفروضة على العراق وتصاعدت وتائر التعاطف معه وأخذت الاصوات الاحتجاجية ترتفع مع تعاظم خرق الحصار من جماعات وحكومات عربية وغربية. وبالتالي فإن الهدف الامريكي الحقيقي من المشروع، بعيدا عن تخفيف العقوبات، هو في حقيقة الامر حيلة خداعية لتثبيت العقوبات القائمة وتجديد صلاحيتها تحت اسم شكلي. فماذا تقول الدول العربية؟ ان على الدول العربية ان تنتهض لتقول لواشنطن على رؤوس الاشهاد الدوليين: العراق ليس العدو الاستراتيجي الاول للامة العربية. عدونا الاستراتيجي الاول هو اسرائيل. ان هناك ثلاث قوى دولية في مجلس الامن ـ فرنسا وروسيا والصين ـ ابدت معارضة مبدئية للمشروع الامريكي. وسوف تكون فضيحة تاريخية اذا اتخذت الدول العربية موقفا لصالح الولايات المتحدة بصورة مباشرة او غير مباشرة بينما تنهمك واشنطن في تبرير الحرب الوحشية التي تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطيني الشقيق.