لا نستطيع ـ ويجب ألا نجرؤ على ـ الحديث عن عمل صحفي سليم وحر ومقنن في مجتمعنا، طالما بقي الصحفي يعاني من هذه المضايقات التي تمنعه بشكل او بآخر من أداء واجبه كما ينبغي. انه في الوقت الذي يتحدث فيه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة عن حرية الصحافة، وفتح نوافذ الاعلام الحر، ويوجه سهام نقده بكل وضوح ومباشرة للاعلام الرسمي ـ كما جاء في كلمته اثناء افتتاح منتدى الاعلام العربي في دبي الشهر الفائت ـ فإن الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً. الواقع يقول ان اعلام الحكومات هو السائد، وحتى اذا لم يستفد منه الرأي العام، وحتى اذا لم يتداوله سوى المسئولين فقط ـ حسب تعبير سمو وزير الاعلام ـ لكن ماذا نقول ازاء تعدي بعض الجهات المسئولة في المجتمع على حرية العمل الصحفي؟ ماذا نقول لرجل شرطة ذي رتبة صغيرة جداً حين يكون باستطاعته ان يقف بكل شراسة وعنف ليعرقل كل المطالبات الرسمية والجماهيرية الداعية الى حرية الصحافة؟ هل يمكن ان يكون لشرطي بسيط رأي او تصرف يعارض توجهات وزير الاعلام؟ نعم للأسف! والدليل عند ذلك الشرطي الذي احتجز بالأمس بطاقة زميلنا المصور في صحيفة «البيان»، بعد ان فشل في مصادرة كاميرته، والسبب ان الشرطي كان يؤدي عملاً مكلفاً به نحترمه ونقدره، بينما زميلنا الصحفي المصور كان هو الآخر يقوم بواجبه في تغطية حدث له دلالاته ومؤشراته الحساسة ويتعلق بسلوكيات العمالة الآسيوية في مجتمع الامارات! فإذا وجد الاخوة المسئولون في جهاز الشرطة لهذا الشرطي عذراً في اجتهاده باحتجاز البطاقة ومصادرة الكاميرا لأنه يخاف على وظيفته او لأن هذه هي حدود تفكيره، فما عذر مسئول كبير في جهاز الشرطة حينما صادر الفيلم من كاميرا نفس المصور منذ عام تقريباً بعد ان قام الزميل المصور بالتقاط صور عادية جداً لحادثة انقلاب صهريج في احد شوارع المدينة؟ نحن لا نهاجم احداً، ولا نحلم بواقع صحفي مثالي، ونعلم تماماً بأن واقع الصحافة في أي مجتمع هو في النهاية انعكاس لواقع هذا المجتمع ولمستوى البناء المؤسساتي والقانوني فيه، لكن يحق لنا ان نحلم بواقع يؤدي فيه الصحفي عمله دون مضايقات وعراقيل ليس لها ما يبررها، فمصادرة فيلم لصور تظهر بشكل عادي في صحفنا اليومية، سلوك ليس له مبرر من وجهة نظرنا لكنه بالتأكيد ينطلق من وجهة نظر معينة لدى من قام بها، فليتنا نعلم بوجهة النظر هذه، لنضيفها لقائمة الخطوط الحمراء التي حفظناها عن ظهر قلب ونحن نمارس عملنا الصحفي في بلاط صاحبة الجلالة. لقد صرنا نعلم الخطوط الحمراء لسياسة الجريدة، وعقلية الرقيب و...الخ، لكننا مع ذلك نأمل ـ ونحسب اننا نضع أملنا في محله ـ في أن تتغير عقلية التعامل العسكري والشرطي مع الصحفي كاتباً ومصوراً، لأننا جميعاً نخدم هذا الوطن ونخاف عليه ونؤدي واجبنا تجاهه كل من مكانه، ولا تختلف بندقية الشرطي عن كاميرا المصور وقلم الكاتب، فكلها أسلحة موجهة نحو الخطأ والتجاوز والفساد، ومن الجميل ان نكون جميعاً في خندق واحد.