ليسوا قلة هم الذين يكنون للماضي حنيناً نوعياً هنا، بل هم كثر وحنينهم قد لا يشابه حنين الآخرين لأيام تلاشت وأصبحت صوراً في خلايا الذاكرة والسبب في ذلك يعود لمسألة واحدة وهي، اننا حينما فقدنا الماضي كان الفقد سريعاً، فالماضي ليس أياماً ولت، بل حياة كنا نحياها بالأمس وانزاحت فجأة من أمام أعيننا، فهذا المكان الذي كان لابد ان يتهيأ للجديد قشر جلده سريعاً وتبدل، لهذا.. تؤلمنا قلوبنا على تفاصيل صغيرة في غرته ازاحتها رياح الشمال والتغيير. غداً قفال صير بونعير و2500 بحار يجسدون مشهداً كان في القريب كفرحة العيد، وغداً تعود الأشرعة البيضاء مع شمسها فوق الدروب المائية التي تغنت في مسافاتها حناجرهم.. انه ليس مجرد سباق تراثي للسفن الشراعية ولا استعادة لذلك الماضي، ولكنه عند قلوب الذين يوجعهم ذلك الغياب شيء اكثر من الاحتفاء. فعلاً نحتاج نحن هذه الممارسات بين حين وآخر لأن رائحة السيارات الفارهة ونغمات الجوال المثيرة والمتعددة والتحليق في الطائرات إلى عواصم الدنيا لا يمكنه ان ينتزع من صدورنا رائحة البحر ولا من أسماعنا صرير الصواري الطوال. بالأمس وفي كافتيريا الصحيفة سألني زميل عربي قدم حديثاً الى البلد عن معنى كلمة «قفال» سألني لأنه قرأها في العناوين وسمعها في الاذاعة والتلفزيون ووجدت نفسي «منتشياً» وأنا أسرد قصص العذابات الجميلة لرجال اللؤلؤ والمحار، ثم إلى انكسار تجاره باللؤلؤ الياباني المصنع ثم إلى الحرب العالمية الثانية وسنين الركود الاقتصادي وارتفاع أسعار المؤن الغذائية الرئيسية وانتهينا بهجرة رجال البحر الى أعمال اليابسة مغتربين عن موانئهم ووطنهم.. كانت الدهشة تعلو جبين هذا الزميل. ألا يستحق سباق صير بونعير يوماً وطنياً نستعيد فيه هذا التاريخ الفريد عبر الصحف والاذاعات والفضائيات التلفزيونية.. هناك عشرات الأفلام الوثائقية التي يمكن لهذه الوسائل الاعلامية ان تستعيدها امام عين المشاهد لتعطيه بعداً آخر لهذا الاسفلت الذي يطويه يومياً بسيارته ولا يرى فيه ملمحاً أصيلاً للمكان!! نحتاج نحن ان نلبي هذا الحنين فينا كأبناء المكان وقدره، لكن غيرنا من الذين يأتون إليه يحتاجونه أيضاً ليدعموا علاقتهم بخصوصية المكان وانجاز انسانه.. نتحدث عن فقد الهوية وسط زحام من تعدد الهويات واشكالات التركيبة السكانية ومن الأجدر ايضاً ان نتحدث دائماً عن هذا المكان وكنوزه.. عندنا هذا الماضي البسيط الاعتيادي لكننا حينما نجله ونقدره ونظهر احتفاءنا به فإننا ندعو الآخرين للمشاركة.. اننا ندعوهم الى شيء أقرب الى القلب فنحقق معهم مزيداً من التكافؤ البسيط والألفة ايضاً.. لماذا لا توظف المحطات التلفزيونية غداً ساعات بثها لبث أفلام تسجيلية عن تلك المرحلة، ولماذا لا تبث الاذاعات الاهازيج والمواويل والنهمات ولماذا لا تصدر الصحف ملاحق تحوي دراسات سياسية اقتصادية اجتماعية تاريخية لتنبش في فرادة الحالة. ألا يستحق هذا الحنين شيئاً بسيطاً من هذا؟!