تقرير ميتشيل الذي تلقفه الجميع على أنه «السبيل الأمثل» للخروج من الأزمة التي تزكي نيرانها وتزيد وقودها إسرائيل لم يزد أكثر مما زاده «حنون في الإسلام». والذين هللوا لهذا التقرير تجاهلوا أنه كرّس وصف الفلسطينيين برعاة الإرهاب، ومستخدمي العنف بينما لم يصب إسرائيل، بكل ما تستخدمه من أساليب إرهابية وآلات قتل ودمار ومن حرب تشنها، ولو بخردلة حنون. وأغلب الظن أن الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم على أرض اليباب العربية مجبرين غير مخيرين، قبلوا بتقرير ميتشيل وكأنه قطرة الماء السماوية التي تبلل الشفاه اليابسة للخروج من مأزقهم هم. فهم لا يستطيعون رفض التقرير لكسر طوق العزلة المفروض عليهم ولكي لا يتهموا بالتصلب. وقد خبر الفلسطينيون الإسرائيليين كثيراً، ولعل خمسين عاماً من المواجهة جعلتهم يعرفون تماماً ماذا يريد الإسرائيليون، وقد راهنوا على رفض إسرائيل للتقرير. ثم إن الفلسطينيين يتطلعون إلى ما يجبر أمريكا على العودة إلى تدخلها بعد أن خاب أملها في وعود شارون بإنهاء الانتفاضة بمجرد تحريك بيادقه على رقعة الشطرنج الفلسطينية. والتقرير الذي عده العرب الحل الوحيد للخروج من الأزمة الحالية دون أن يخسروا بمواجهتهم المطلوبة شعبياً لإسرائيل، يكرس أخطر ما وصفت به السلطة الفلسطينية، بل ويعيدها إلى سابق أيام المقاومة عندما كان المجتمع الدولي يعد المنظمة الفلسطينية إرهابية. ففي بنوده جميعها نجد أن ميتشيل يشترط أن يعترف الفلسطينيون بإدانتهم للإرهاب ومنعه، دون إشارة ولو بكلمة واحدة للإرهاب الإسرائيلي، بل على العكس فهو يعطي إسرائيل حق تدخل الجيش بشرط خجل هو «تدخل غير قاتل». إنه يكرس الفلسطيني المدافع عن نفسه بحجر كإرهابي، ويكرس الإسرائيلي كضحية مجبرة على الدفاع عن نفسها، مبرراً العنف الإسرائيلي وحاصداً دعماً عربياً ودولياً له عبر التأييد للتقرير. ولعل أبلغ تعبير وصف تقرير ميتشيل بأنه إدانة لخطة السلام الأمريكية كان لـ «الاندبندنت» التي قالت إن عدم وجود موعد نهائي لوقف الاستيطان يعطي إسرائيل الضوء الأخضر لاستمرارها بتشييد المستوطنات، وفي هذه النقطة بالذات فالتقرير لا يحدد وقف الاستيطان بل يجمده. ورغم أن الأوروبيين نزلوا بثقلهم محذرين إسرائيل بوضوح لكنهم لم ينسوا أن يلغموا انتقادهم لإسرائيل استخدامها المفرط للقوة أن يربطوا ذلك بوقف العنف الفلسطيني، فعنف إسرائيل هو استخدام مجبور، لكن الرد الفلسطيني هو إرهاب. ورغم أن العرب وافقوا عليه مهللين، كانت إسرائيل كما توقعها الفلسطينيون رافضة بل أوغلت في طغيانها حتى كشفت وسائل إعلامها عزم جيش الدولة العبرية خوض نزاع مع الفلسطينيين لثلاث سنوات، لتسقط بذلك رهان العرب على أنها لن تخوض حروب استنزاف طويلة. وصفة ميتشيل للسلام لا يمكن وصفها إلا بأنها تزيد عسر الهضم سوءاً، فهي غير قابلة للتطبيق ولم يزد ميتشيل في السلام خردلة، ومهما حاولت أمريكا والدول العربية، فإن لإسرائيل الكلمة الأخيرة، ولا حل أمام العرب سوى تجاوز هذا التقرير مثلما تجاوزت إسرائيل تعهداتها... فالاتحاد قوة.