عندما أعلن قائد البحرية الاسرائيلية الجنرال (باد يدياه يعاري) عن ضبط سفينة في مياه البحر المتوسط يوم 6 مايو الحالي قادمة من شمال لبنان في طريقها الى غزة وعلى متنها أربعة أطنان من الأسلحة، تشمل العشرات من صواريخ الكاتيوشا، و120 صاروخا مضادا للدبابات، و4 صواريخ قصيرة المدى أرض : جو (ستيريلاسام 9)، وغير ذلك من الأسلحة الخفيفة والذخيرة كان هذا الاعلان في نظر المراقبين دلالة قوية على تجاوز الانتفاضة الفلسطينية لمرحلة سابقة من الصراع مع اسرائيل كانت تستخدم فيها الحجارة وزرع العبوات المتفجرة والاستخدام المحدود لنيران الأسلحة الصغيرة والخفيفة بما فيها بعض طلقات الهاونات الى مرحلة جديدة من الصراع حذرت منها الصحف الاسرائيلية ستستخدم فيها هجمات صواريخ الكاتيوشا والصواريخ المضادة للمدرعات، بالاضافة الى العمليات الاستشهادية على نطاق واسع، ليس فقط في المناطق المحتلة، ولكن داخل اسرائيل ذاتها ولم تنكر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) مسئوليتها عن ارسال هذه الشحنة من الأسلحة، بل أكدت أن رحلة السفينة التي تم ضبطها أمام سواحل حيفا بمساعدة الأسطول الامريكي السادس في البحر المتوسط هي الرابعة من نوعها، حيث سبق أن قامت بثلاث رحلات نقلت خلالها أسلحة الى مسئولي الانتفاضة في قطاع غزة وتعهدت الجبهة بمواصلة ارسال الأسلحة بطريقة أو بأخرى، وهو ما دفع السلطات الاسرائيلية الى تشديد مراقبتها وحصارها لسواحل قطاع غزة. اقامة حزام أمني جديد ولتحقيق خطة الفصل التي وضعها باراك أصلا، وأبعاد المستوطنات عن نيران الأسلحة الفلسطينية الجديدة المباشرة خاصة المضادة للدبابات، وغير المباشرة مثل الكاتيوشا والهاونات، بدأ العمل لاقامة حزام أمني جديد حول قطاع غزة بعرض 200-500 متر بطول الخطوط الفاصلة بين الأراضي الفلسطينية واسرائيل بما فيها القريبة من الحدود مع مصر، وهو ما يفسر قيام الجرافات والبلدوزرات الاسرائيلية بتدمير المنازل وتجريف الأراضي الواقعة في نطاق هذا الحزام الأمني، أو تعوق المراقبة الى داخل المدن والمخيمات الفلسطينية، رغم أنها أراض واقعة داخل المنطقة (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية خاصة في رفح وخان يونس ودير البلح _جنوب قطاع غزة، وشرق مخيمي المغازي والبريج (وسط القطاع)، وبلدتي بيت حانون وبيت لاهيا (شمال القطاع) وقد أبلغ الاسرائيليون السلطة الفلسطينية أنهم سيطلقون النار على أي فلسطيني يقترب من هذه المناطق والطرق العرضية المسيطر عليها ويبدو أن اقامة هذا الحزام الأمني هو ما كان يعنيه شارون في تصريحه الأخير الذي قال فيه : (ان تغييرا جديا مسيطرا على سياستنا لاعادة الأمن.. كنت أعتقد أننا سنتمكن من احتواء الارهاب بسرعة أكبر، لكن علينا التفكير بأسلوب آخر. وكان يعني بجانب الحزام الأمني القيام بعمليات اغتيال لناشطى الانتفاضة داخل الحكم الذاتي، وهو المقصود بكلامه عن الأساليب التي ستظل دائما سرية. ومما لا شك فيه أن لا الحزام الأمني الجاري اقامته حول مناطق الحكم الذاتي، ومخططات تصفية مسئولي الانتفاضة، سيحول دون اشتعال الانتفاضة والتصعيد المتوقع في وسائل وأساليب القتال التي سيستخدمها الفلسطينيون، بعد أن تأكدت اسرائيل من حصول الانتفاضة على صواريخ كاتيوشا يتعدى مداها عشرة كيلو مترات يمكن أن تطول الأراضي الاسرائيلية بعشرات القذائف لتفعل في المدن الاسرائيلية أكثر مما فعلته كاتيوشا حزب الله في جنوب لبنان مما أجبر اسرائيل على الانسحاب من هناك بعد ثورة الرأي العام الاسرائيلي بسبب تواصل سقوط القتلى من الجنود الاسرائيليين، حيث تقع المناطق السكانية والأهداف الاستراتيجية الاسرائيلية في مدى الصواريخ الكاتيوشا اذا ما أطلقت من داخل أراضي السلطة الفلسطينية ؟! أضف الى هذا امكانية الصواريخ المضادة للدبابات في تدمير المدرعات الاسرائيلية بمن فيها من جنود اسرائيلية على مسافة تصل الى 3-4 كم كما حدث الشهر الماضي في مزارع شبعا عندما تمكنت المقاومة اللبنانية من تدمير دبابة (ميركافا) كانت متمركزة داخل حزام أمني مشابه بواسطة صاروخ مضاد للدبابات ؟! ولنا أن نتصور كيف يمكن لشارون بواسطة أقصى ما يمكن أن يصل اليه من استخدام وسائل القوة والبطش ضد الفلسطينيين، أن يمنع أو يحول دون استخدام عناصر الانتفاضة لصواريخ مضادة للطائرات في اسقاط طائرة اسرائيلية حربية أو مدنية من التي تحلق باستمرار فوق أراضي السلطة الفلسطينية أو بالقرب منها ؟! وانعكاسات ذلك على الرأي العام الاسرائيلي والعالمي، من حيث ثبوت فشل حكومة اسرائيل في فرض ارادتها على الفلسطينيين الذين لم يعودوا يملكون ما يخشون عليه، وتحول الكثيرون منهم الى الغام بشرية متحركة في شوارع المدن الاسرائيلية، يتسابقون على الشهادة، بعضهم نالها وظفر بها وبعضهم مازال ينتظر. تحالف استراتيجي بين المنظمات الفلسطينية وحزب الله أما البعد الاستراتيجي الجديد الذي تكشف عنه شحنات الأسلحة المرسلة من لبنان الى الانتفاضة، والذي أثار قلقا بالغا في الدوائر الاسرائيلية والأمريكية معا، هو ذلك التعاون والتنسيق الاستراتيجي الذي برز مؤخرا بين منظمات المقاومة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله ومنظمات المقاومة الفلسطينية سواء التابعة لعرفات أو المعارضة له مثل حركة حماس وتنظيم الجهاد الاسلامي، المتواجدة في المناطق المحتلة، والجبهة الشعبية وغيرها المتواجدة في سوريا. تطورات في العمليات الانتحارية واذا كان من المتوقع أن تصعد الانتفاضة من استخدام وسائل النيران المباشرة وغير المباشرة ضد الاسرائيليين، فان هناك تطورا آخر يتو قع حدوثه على صعيد العمليات الانتحارية التي يقوم بها الفلسطينيون داخل الأراضي الاسرائيلية ، فقد كشفت مصادر أمنية اسرائيلية أن الجهاز العسكري لحركة (حماس) يتبع اجراءات خداعية عدة تجعل من الصعب على القوى الأمنية الاسرائيلية الاشتباه في عناصره الذين ينوون تنفيذ عمليات انتحارية، فمن بين هذه الاجراءات قيام هؤلاء الانتحاريين بعمليات ماكياج كاملة من أجل تغيير ملامح (الوجه) بحيث يبدو المرشح لتنفيذ العملية بملامح وملابس اسرائيلية، ويتقن العبرية كاليهود تماما، ويقصون شعورهم بتسريحات منتشرة داخل اسرائيل بما فيها الشعور المسدلة ذات الضفائر للمدنيين اليهود الذين يطلق عليهم (حريديم)، فضلا عن أن المرشح لتنفيذ العملية يتلقى محاضرات حول كيفية التعامل مع الاسرائيليين قبل تنفيذ العملية، حيث يطلع على مجمل الاحتياطات الأمنية وكيفية الالتفاف عليها، الى جانب تعلم اللكنة التي يتحدث بها اليهود لغتهم العبرية وبلهجة تبدو أصيلة، فيما لو اضطر للخوض في حديث مع الاسرائيليين، وقد نقل التليفزيون الاسرائيلي عن مصدر كبير في جهاز الأمن الاسرائيلي (الشاباك) قلقه الشديد من تشديد ممثل الجهاز العسكري في حركة حماس على وعد الحركة بتنفيذ عشرة عمليات استشهادية تم تنفيذ أربعة منها وعلى اسرائيل أن تنتظر الوفاء بتنفيذ العمليات الست الاخرى ومن جهة أخرى علق (شلومو أها رونسكي) مفتش الشرطة الاسرائيلية على ذلك بقوله ان عناصر حماس يستغلون مواطن الضعف في دولة اسرائيل، الى جانب استغلالهم الثغرات الأمنية، حيث يتسللون الى اسرائيل من المنطقة الممتدة من طولكرم الى قلقيلية، وهي المنطقة التي تلتحم فيها المناطق الفلسطينية بالتجمعات السكانية اليهودية داخل اسرائيل، الأمر الذي يجعل من المستحيل على الشرطة الاسرائيلية ضمان عدم تسلل الفلسطينيين الى داخل اسرائيل. شارون يحول حياة الاسرائيليين الى جحيم واذا كان شارون لايزال يصارع نفسه رغم فشله في مهمة المائة يوم التي حددها لفرض نظرية الأمن وتركيع الفلسطينيين، فانه يدرك تماما ومعه كل الاسرائيليين أن الانتفاضة قد حولت الحياة في اسرائيل الى جحيم، سواء على صعيد الاستنزاف البشري والاقتصادي اليومي أو على صعيد الارتباك السياسي والتصدع الاجتماعي الذي أصاب اسرائيل، وكانت له آثاره السلبية على الجيش الاسرائيلي بصفة خاصة. وهو ما تمثل في امتناع مئات الجنود الاسرائيليين عن المشاركة في عمليات الابادة المنظمة التي تمارسها القوات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، والهروب من وحدات الجيش، وزيادة نسبة الانتحار بين الجنود، وبيع الأسلحة والذخائر،وكان آخرها اكتشاف فقد 12 صاروخا مضادا للدبابات من أحد مخازن الجيش الاسرائيلي، وهى أوضاع تعيدنا الى الأجواء التي سادت اسرائيل عقب عدوانها على لبنان عام 1982 وأدت الى انسحابها من هناك واقالة شارون وزير الدفاع آنذاك باعتباره المسئول الأول عن الانتكاسات التي عانتها اسرائيل من هذا العدوان، لذلك يمكن القول اليوم أن شارون رغم حصاره لقطاع غزة ومدن الضفة، فهو في حقيقة أمره محاصر بواسطة الانتفاضة التي أربكته من جهة،وبواسطة اليمينيين المتطرفين في حزبه الذين يزايدون عليه في التطرف أمثال نتانياهو وليبرمان من جهة ثانية، كذلك فهو محاصر أيضا من قبل حزب العمل شريكه في الحكم والذي يهدد بالانسحاب من الائتلاف الوزاري بسبب فشل السياسة الأمنية للحكومة، ثم هو محاصر كذلك من قبل الادارة الأمريكية التي لم تتردد مؤخرا في انتقاد سياسته الأمنية، وتطالبه بوقف عمليات الاستيطان، وهو موقف من ادارة الابن بوش يماثل تماما موقف ادارة الأب جورج بوش عام 1991، خاصة بعد أن أدركت واشنطن متأخرة خطورة استمرار تأييدها لشارون في سياسته الأمنية على مصالحها الحيوية في المنطقة في ضوء التصعيد المتوقع في الانتفاضة، واتساع جبهة التأييد العربي والاسلامي لها ليس فقط على الساحة الشرق أوسطية، بل على كل الساحة العالمية، خاصة بعد أن خرجت الانتفاضة عن سيطرة عرفات، واصبحت بأيدي عناصر فلسطينية وعربية واسلامية أخرى متعددة معظمها غير معروف لأجهزة المخابرات الأمريكية والاسرائيلية. خلاصة القول : من المؤكد وكما قالت صحيفة الاندبندنت البريطانية في 24 أبريل الماضي أن رجل الشارع الاسرائيلي أصبح بعد هذه الفترة من حكم شارون، يشعر بالحيرة والشك في الطريقة التي يدر بها شارون أمور السياسة، لأنهم يشعرون أنه آخذ في التخبط، وهو ما ينعكس في سرعة التغير والتبدل في سياسته الخارجية والأمنية. فهو من جهة يحاول فتح محاور تفاوض سواء مع السلطة الفلسطينية من خلال القنوات السرية التي يشغلها أبنه، وهو ما اثار استياء الاسرائيليين، أو مع مصر والأردن من خلال وزير خارجيته بيريز في اطار توزيع الأدوار، وحتى هذه القناة الأخيرة فان شارون يسعى الى افسادها من خلال سحب سلطات وزير خارجيته، الأمر الذي اضطر معه الأخير الى الكذب والتراجع عن تصريحاته كما حدث بعد لقائه مع الرئيس مبارك. لذلك يمكن القول ان عمر حكومة شارون الحالية لن يطول كثيرا، بل سيكون أقصر بكثير من عمر الحكومة الاسرائيلية السابقة، التي لم تكمل مدتها. ولكن علينا كعرب أن نتعلم الدرس ولا نقع ضحايا خديعة حكومة شارون وهي تسعى الى دق الأسافين بين الدول العربية والسلطة الفلسطينية فيما بينها من جهة، وفيما بين العرب والولايات المتحدة من جهة أخرى. وأن ندرك أن الحل يكمن في وحدة ارادتنا العربية، وفي استمرار قوة دفع الانتفاضة ومساندتها حتى تحقق أهدافها، وفي ايقاظ العالم كله بخطورة الأهداف والمخططات الاسرائيلية ليس فقط على الساحة الشرق أوسطية، بل على أمن واستقرار وسلام العالم كله. ـ خبير استراتيجي مصري