البنادق الاوتوماتيكية كانت البداية. ثم دخلت الدبابات. وبعد ذلك ظهرت في الاجواء المروحيات ذات الصواريخ. لتنضم الى البنادق والدبابات على الارض. ومع توالي التصعيد النوعي انطلقت الطائرات المقاتلة من طراز اف ـ 16. ماذا تبقى اذن لكي نعتبر ما يجري للشعب الفلسطيني في الارض المحتلة حربا شاملة وكاملة تحشد لها اسرائيل مواردها العسكرية. وما دامت هذه الحرب الشاملة الكاملة تشن ضد شعب واقع تحت حالة احتلال اجنبي وليس ضد دولة تملك آلة حربية عصرية وتتحكم ذاتيا في مواردها الاقتصادية فإنها دون ادنى ريب حرب ابادة. فماذا تنتظر الدول العربية وهي ترى ما ترى؟ هل لا تزال تتوارى خلف ذلك الستار المعتريء الذي اطلقت عليه «الخيار الاستراتيجي للسلام»؟ ان السلام من وجهة نظر اسرائيل الشارونية صار في ذمة التاريخ. ومنذ تسلم شارون الحكم معبرا عن ارادة شعبية اسرائيلية عارمة انطوت صفحة في كتاب الشرق الاوسط وفتحت صفحة. والآن مع انطلاق الطائرات المقاتلة لتعزيز حالة الجحيم الجارية على الارض من جهة واستعداد الشعب الفلسطيني لمواصلة الجود بالاستشهاديين داخل العمق الاسرائيلي فإن الامر تجاوز نقطة اللاعودة. ومن الغريب حقا ان الدول العربية تتصرف او لا تتصرف اطلاقا وكأنها لا تعي هذه الحقيقة التي تؤكدها السياسة الشارونية يوما بعد يوم على خلفية المشهد الدموي الذي تتفاقم دمويته ساعة بعد ساعة. ان شارون لا ينظر الى القضية كقصة احتلالية وانما كقصة ارض «توراتثية» يجب استردادها. هذا ما ينطبق على الضفة الغربية لنهر الاردن على اقل تقدير. فهو لا يرى ان هناك ارضا فلسطينية جرى احتلالها اسرائيليا بالقوة، وبالتالي فإنه من غير الوارد على ذهنه اطلاقا الدخول في تفاوض مع الطرف الفلسطيني للتوصل الى صيغة سياسية لوضع نهاية للاحتلال الاسرائيلي حتى لو كانت صيغة بشروط اسرائيلية تنطوي على ظلم للحق الفلسطيني. ابتداء واصلا يعتبر شارون الضفة الغربية بما فيها القدس بالطبع ارضا يهودية مقدسة يجب «تحريرها» من الوجود الفلسطيني «الدخيل»! وليس هذا استنتاجا او استنباطا وانما هو خلاصة ما يدلي به شارون الى الصحافة الغربية، خاصة الصحف الامريكية من مقابلات وتصريحات. الحرب اذن ضد الشعب الفلسطيني كانت حتمية ـ وأمرها بالتالي مبيتا ـ منذ ان اعلن فوز الجنرال شارون في الانتخابات ليس هذا فحسب بل انها ايضا حرب لن تنتهي الا باستسلام احد الطرفين. لن تكون هناك حلول وسطية. ولن تكون هناك حتى هدنة الا بمقدار ما يرتضيه الطرفان معا للتجهيز لجولة قتالية جديدة. و لم نغرق في التفاصيل الثانوية؟ ان شارون يقول ويكرر القول، ليس من منابر اعلامية فحسب، بل في محافل دبلوماسية جادة انه غير راغب في اتفاق سلام شامل يتضمن حلولا وسطية لقضايا «الوضع النهائي» الفلسطيني. انه يرغب فقط في «اتفاق امني طويل المدى» وهذه الشفرة اللغوية معناها بالعربي الفصيح مرحلة زمنية لمدى سنين متصلة يتوقف خلالها الفلسطينيون عن المقاومة بينما تتمكن الحكومة الاسرائيلية من استكمال برنامج الاستيطان اليهودي الطموح على اراضي الضفة الغربية مع استكمال تهويد القدس. واذا كان اندلاع الحرب حتميا فإن استمرارها ازاء هذه الرؤية الشارونية يكون حتميا ايضا. وهنا ينبثق السؤال الكبير: ماذا تفعل الدول العربية ازاء الحرب واستمراريتها الحتمية؟ لقد تجاوزت الظروف الدموية صلاحية كل الحيل التي ظلت تلعب بها الحكومات العربية من بيانات ومبادرات. هناك حرب واسرائيل لن توقف الحرب الا بعد استسلام كامل للشعب الفلسطيني ليواجه مستقبلا من الاستعباد الاسرائيلي. ما يحتاجه الشعب الفلسطيني اذن هو تزويده بما يلزم من مقاومة الحرب بالحرب.