بعد رحيل الملك حسين بن طلال ـ رحمه الله ـ في فبراير 1999 انفتح باب التكهن على مصراعيه حول مستقبل الاستقرار في الاردن ولكن سرعان ما عاد الاعتقاد من جديد ليؤكد الحقيقة التاريخية: ان الاردن بتركيبته السكانية وبموقعه الجغرافي ضرورة اقليمية لا تتأثر بالاشخاص، وإنما بمعطيات جيوسياسية وخصوصية اقليمية ومكانة دولية. وبعد اكثر من سنتين بقليل عاد الامر من جديد للبحث في مستقبل استقرار الاردن بعد احداث داخلية تزعج ذلك الاستقرار الاردني الذي اصبح لدى البعض «حقيقة تاريخية» ثابتة. وبوصول الملك عبدالله الثاني الى الكويت تطرح بعض القضايا الجوهرية في علاقات الاردن بالخليج، من منظور الحفاظ على هذا البلد الشقيق،، وتجنيب أهله الهبات الساخنة للسياسة الاقليمية. لعل ما ظهر على السطح حتى الآن يثير او يبرر تلك المخاوف على الاردن لدى كل اصدقاء الاردن ومعارضي سياساته على السواء، ففي الاسبوع الماضي اندلعت اعمال عنف لها علاقة وثيقة بما يحدث في الارض المحتلة، قوبلت بما يعتقد البعض انه قوة غير مبررة. ولكن الحدث نفسه ليس بعيدا عن الوضع الداخلي الاردني، الذي تحقنه المتغيرات السياسية في المنطقة بأشكال متباينة من عوامل الاضطراب، ثم جاءت قضية عض الآذان في البرلمان الاردني، على خلفية نزاع فئوي اتخذ شكل المظهر العرقي المزعج، لتدق الاجراس عالية من جديد ولتعيد الى الاذهان القلق من ان النسيج الاجتماعي الذي كان دائما موضع فخر للراحل الملك حسين، عند اشارته لتعدد المنابت والاصول التي تشكل المجتمع الاردني، قد بدأ يهتز فالموضوع على طرافته الظاهرية، اكثر من عضة اذن، بل هو منذر بانطلاق شرارة فئوية يخشى ـ ان تعاظمت ـ ان تعرض ليس الاردن فقط. بل والمنطقة كلها، لشرور شتى. لقد كان الاردن ضرورة بريطانية في مرحلة من تاريخ العرب الحديث، عندما كانت مصالح الامبراطورية في طريقها الى الانحسار وحين انحسرت بالفعل، اصبح الاردن ضرورة اقليمية، فهو نقطة ارتكاز متوسطة بين اطراف مختلفة ومتفاوتة لا ترغب بقدر الامكان في ان يحدث تماس بين كل منها والآخر، فلا العراق بوده ان يكون مجاورا للارض المحتلة، ولا اسرائيل ترغب في ان ترى بلدا عربيا واحدا يشاركها الحدود الشرقية الطويلة، ولا الفلسطينيون يريدون بلدا بديلا لبلادهم وإن ظهرت هذه النغمة بين فترة وأخرى. هذا الموقع المتوسط ساهم بقوة في استقرار الدولة الهاشمية في فترة مضطربة من تاريخ العرب الحديث، وساعد على تجسير اللحمة الاردنية الى درحة ان كاتب هذه السطور في لقاء اذاعي مع محطة الاذاعة البريطانية في سبتمبر 1990 جمعه مع مروان دودين (وزير اردني سابق من اصل فلسطيني) ابان الاحتلال العراقي للكويت وبعد ان دافع هذا الاخير بأقصى ما استطاع عن موقف النظام العراقي على الهواء ولجميع المستعمين في ذلك اليوم اسر الي بعد اللقاء في استراحة الشاي، التي دعينا اليها خارج غرفة الاذاعة ان العراق لو اخذ شبرا واحدا من الاردن لقام هو (على كبرسنه) بالتطوع لمحاربة الاحتلال! يمثل ذلك القول ـ في احد جوانبه ـ ارتباك النخبة العربية الذي يوقعهم في التناقض السافر بين شعاراتهم المعلنة ومواقفهم الحقيقية في كثير من القضايا. كذلك يظهر بوضوح مدى قوة «الاردنة» الظاهرة السياسية التي هي، بجانب عوامل اخرى، ساهمت في هذا الاستقرار وهو شعور الاردنيين بحالة لها خصوصيتها، وهي السياسة التي اتبعها ورسخها البيت الهاشمي في التقريب بين الاصول والمنابت المختلفة للاردنيين، ومحاولة صهرهم في بوتقة واحدة، فهم على اختلاف منابتهم واصولهم العرقية والفئوية والدينية شكلوا الدولة الحديثة بالتراضي وقد كانت التجربة الاردنية ـ حتى هذه اللحظة من انجح التجارب العربية الحديثة في صهر الاقليات المختلفة التي تعيش على الارض الاردنية، دون ان يصحبه الكثير من العناء او السلبيات ذلك ان اهتزاز هذا النسيج ربما يعرض الاردن الحديث لمخاطر حقيقية. صحيح ان بعض المراقبين ينظرون الى هذا النسيج الاجتماعي على انه قد يكون مجرد تركيبة مؤقتة بل انه ـ في نظرهم ـ يحمل في طياته بذر تفرقه، كما جاء في التحليل الشهير للاستاذ عدنان ابو عودة في كتابه الذي صدر بالانجليزية والذي يتوقع فيه ان ينشطر الاردن سياسيا الى «شرق اردنيين» و«فلسطينيين» وإن كان البعض يرى في تحليلات ابو عودة اغراقا في التشاؤم. القوى الخارجية كان لها دائما دور ما في الاردن، من حيث الحفاظ عليه وتأكيد استقراره وهو امر يعرفه متخذ القرار الاردني، ولكنه لا يعول عليه كثيرا، فمرتكز السياسة الاردنية ان تبقى على «علاقة طيبة» ببعض الجيران على الاقل، فهذه الدولة لا تستطيع ان تغضب الجيران جميعهم في فترة زمنية واحدة، وقد كان الملك حسين رحمه الله يشير الى السبب في ذلك بأن الاردن تقع في (مرمى اطلاق النار) او الـ "Zone Killing" كما كان يعبر عنها بالانجليزية هذا الموقع الجغرافي هو الذي ساهم في استقرار الاردن في الخمسين سنة الاخيرة، حيث تعرض هذا البلد لجملة اضطرابات كان قليل منها كافيا ليجر عواقب وخيمة وليس للاردن فقط، بل للمنطقة ككل، كما كان يمكن لأي من هذه الاضطرابات ان تطيح بحكومات وأنظمة عدة. القدرة على البقاء السياسي على سطح الاحداث العربية كانت هي دائما الشيء اللافت للنظر في الاردن فقد كان يمكن ان يتعرض لحصار او مقاطعة او هجوم ديمغرافي (سكاني)، او الى اجتياح من الخارج، ولعل العامل الذي ابقاه في العقود الخمسة الماضية ـ ولو جزئيا ـ هو قدرته على حل الصراع الداخلي بشكل سلمي، وتوافق النخبة الاردنية على صون نسيج اجتماعي يتسم بالتعدد، والاختلاف الاثني، وان كان ايضا يتسم بالتعاون والتضافر بين اطرافه جميعا. عض الآذان في البرلمان الاردني الذي حصل اخيرا، ربما يستشف منه المتابع ان هذا الدور للنخبة الاردنية بدأ يفقد قدرته على الحفاظ على التوازن، وهو الامر الذي قد يؤدي الى تهييج الشارع عرقيا وفئويا، مما يفقد الاردن احد اهم عوامل الاستقرار التوافقي الذي استمر طويلا. العامل الفلسطيني في الاردن عامل نشط ومتفاعل والعلاقة الاردنية الفلسطينية علاقة تشابك اكثر منها علاقة تجاور، واذا كانت فكرة «الوطن البديل» قد تجاوزتها الاحداث فإن الصراع الاسرائيلي ـ العربي سيظل يشكل هاجسا في الذهنية الاردنية بصرف النظر على الاتفاقات السياسية المبرمة. فما يحدث في الارض المحتلة يتردد صداه مباشرة لدى الفلسطينيين في الاردن، وهم عدد كبير لا يقتصر فحسب على المخيمات بل ينخرط ايضا في النسيج الاجتماعي للاردن. والقوى المتحركة السياسية في الاردن لها آذان في الداخل الفلسطيني ولأسباب متعددة يقوم بعض السياسيين بالتحريض ـ في الشارع الاردني ـ للقيام بأشكال غير منظمة لنصرة الشعب الفلسطيني، تعود على الاردن شعبيا بسلبيات هو في غنى عنها، فليست مظاهرة هنا وتكسير هناك يملكان القدرة على ردع غطرسة القوة التي تستعرضها الحكومة الاسرائيلية الحالية حيال الفلسطينيين، وليس بتكسير المنشآت الاردنية تبنى منشآت فلسطينية... ولكنه القنوط الشعبي والتوجيه غير الواعي يتلازمان فيدفعان الغضب الى غير وجهته، على طريقة عض الاصابع، خاصة ان لقي مصلحة لدى بعض السياسيين. والخطورة هنا في ان اشعال الساحة الاردنية القريبة من فلسطين سوف يحول انظار العالم الى الاردن بعيدا عما يحدث في قرى فلسطين ومدنها وهو امر يمثل خدمة كبيرة غير مباشرة للسياسة الاسرائيلية. سيظل الحفاظ على استقرار الاردن في المنطقة الجغرافية السياسية المحيطة من اولويات القوى المحلية والدولية، اذا اخذنا بعين الاعتبار التاريخ الحديث لمنطقتنا العربية. وسيبقى الاردن حاجة وضرورة للقوى العالمية ايضا، فهو بالنسبة للعرب يمثل واقيا من الاحتكاك المباشر باسرائيل في حالة الخصومة والعداء، بينما يمكن ان يمثل جسرا في حالة المصالحة والسلام، وهو كذلك يمثل في اعين العرب نموذجا لمن استطاعت فيه الموزاييك الديموغرافية (التي لا يخلو بلد عربي منها) ان تتعايش بسلام حتى الآن، كما ان البعد السياسي المدني واضح في تجارب الاردن، فقد كان الفصل واضحا دائما بين ما هو عسكري وما هو مدني، فلم ينزل الجيش الاردني الصغير، برغم كونه جيشا محترفا، الى الساحة السياسية ليتعاطى مع قضاياها، او يتدخل في قراراتها كما فعلت جيوش عربية اخرى. يبقى الامر الاخير وهو ضرورة الا يحمل الاردن، او يحمل اكثر مما يستطيع حمله من تبعات القضايا العربية الشائكة فمعسكر الاردن هو عربيا ودوليا معسكر واضح لا لبس فيه كما ان التفهم قائم للاردن في نقطة ارتكازه الحرجة بين العديد من القوى العربية المتجاذبة والمتطارحة وموقعه المتوسط هذا نابع من قدرته على بث الانسجام في الموسيقى السياسية الداخلية وضبط ايقاعها وتجنيبها عوامل التنافر. ومن المهم الا يرى الاردن نفسه منشغلا بقضايا عربية عالقة شديدة الدقة والحساسية التي تتطلب الضبط كما تتطلب التوازن الفعال وينبغي الا يزين احد للاردن ذلك الدور، حتى لا يبعثر جهده خارج دائرة الضرورات، كما فعل البعض في السابق فخسر نفسه. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت