قضايا الشباب المراهق في المجتمع تشكل ملفاً ضخماً وهاماً يزخر بالكثير مما يحتاج الى وقفة جادة، وقرار حاسم وتبن مخلص، وبما أن هذا الملف لم يقلب جيداً بعد ولم تنبش اشكالياته بجدية، وحسم من قبل كل المعنيين بأمر هؤلاء الشباب وقضاياهم ولعل أهم هؤلاء هم: الأسرة ومسئولو الاعلام والشباب والرياضة والتعليم، فإن ذلك يطرح علامة استفهام كبيرة: لماذا؟ لماذا لا تطرح قضايا الشباب بالشكل الذي يتوازى ويتساوى مع خطورتها وتشابكها؟ فالشباب ليس كرة قدم فقط، وليس مدرسة وكتاباً وامتحانات لا يوفق فيها دائماً، وليس أغاني ديسكو، ومعاكسات في المراكز التجارية تنتهي عادة بصور في ذيل صفحاتنا المحلية، الشباب يعاني مأزقاً كبيراً يتمثل في شعوره بالضياع، والأكثر انه استسلم لهذا الضياع وبدأ يفرز مخارج لضياعه بأسلوبه الخاص، دون ان يهتم به أحد. هناك مقاه للانترنت تتوزع في أنحاء المدن، فهل هناك رقابة ومتابعة دائمة على هذه المقاهي؟ وما نوع الرقابة؟ لقد اختلط الحابل بالنابل في هذه المقاهي، فنجد ابن السابعة يدخلها ليجلس الى جانب رجل في الخمسين من عمره، ويعبق المكان بدخان السجائر وأحاديث خارج الرقابة، ومواقع تحتاج الى تدمير لا إلى مقاه رسمية! وفي الطريق الى العمل، دائماً ما يكون هناك مراهقون يحملون كتبهم المدرسية ويتسكعون في الطرقات، وبما أن الوقت لا يشير الى نهاية وقت المدرسة، إذن فكيف خرج هؤلاء من مدارسهم في غير الوقت المخصص؟ وإلى أين يتوجهون؟ إلى المراكز التجارية أو إلى محلات الألعاب الالكترونية أو إلى صالات البلياردو والسنوكر والبولينج أو إلى مقاهي الشيشة.. فهل هناك بدائل أخرى أكثر جدوى؟ وحتى إذا وجدت فهم لن يتوجهوا إليها لأكثر من سبب! أما في التلفزيون فلا يجد الشاب المراهق في قنواته العربية المحلية وغير المحلية ما يشد انتباهه ويجذبه، والانسان بطبعه منجذب إلى ما يهمه ويثيره، فماذا يثير او يجتذب المشاهد العادي في قنواتنا ناهيك عن اجتذاب الشاب المراهق صعب المزاج؟ وبالتأكيد فإن برنامج كالذي تقدمه «رزان مغربي» لن يكون بديلاً مطلوباً او جاذباً انه شيء من الغثيان واثارة الأعصاب والاستخفاف لا أكثر، اما برامج الحوارات السياسية الزاعقة بديمقراطية الحوار والرأي الآخر على طريقة المصارعة الأمريكية، فهي ليست بديلاً أيضاً. الشباب يبحث عن هويته، عن نماذج يهتم ويتمسك بها ويجب ان يعرفها جيداً، عن رموز تاريخية ومعاصرة يعتز بالانتماء اليها، عن ثقافة محلية وعالمية تشبع معارفه وتوقه للبحث والتجريب ومعرفة المجهول، الشباب يبحث عن مدارس ذات جدوى ومعلمين لم يفقدوا حماسهم للحياة والعمل، وكتب منطقية لا تسبح في فلك الماضي وحياة الانسان الأول، الشباب يبحث عن مدارس تحتويه، ويرغب في الذهاب إليها بشهية أو على الأقل بقبول وقناعة، لا بنفور ودعوات بأن تغلق اليوم قبل الغد. للأسف مدارسنا ما عادت قادرة على اقناع الشباب المراهق بجدواها وأهميتها ولذلك يهرب منها بألف طريقة وطريقة! شبابنا يبحث عن أسرته، عن والده المنشغل دوماً، ووالدته الحاضرة الغائبة، واخوته المنغلقين على عوالمهم، شبابنا يفرغ أزماته في العنف والتدخين ومقاهي الشيشة، والمخدرات، والهروب من المدارس، والرسوب المتكرر، وسباقات السيارات القاتلة على هضبات الصحراء وفي شوارع المدن، شبابنا يهرب من الحياة إلى الموت البطيء او المبكر، ونحن منشغلون عما يؤرقهم ويقلقهم أو يدفعهم الى ذلك، نحن نحاول، والمسئولون عنهم يحاولون، لكن المحاولات ليست بحجم التحدي ابداً، ربما تحتاج الى تنسيق أكبر وجهود أضخم وميزانيات ليست.. متواضعة!