بعد ثورة 1952ساد الناس نغمة غريبة تدين كل الأغاني التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين بدعوى أنها كانت تردد معاني الليونة والضعف وانها حفلت بما يفيد استعطاف الحبيب وتلوك ألفاظ الهجر والصبابة والاستكانة.. الخ.. ثم مضى أصحاب هذه الدعوة إلى التبشير بفصيل جديد من أغاني القوة والبأس والعزة والكرامة إلى آخر ما جاءت به ثورة العم عبد الناصر من شعارات وطروحات ولم يكذّب الفنانون خبرا في تلك الفترة إذ بادر الاستاذ مدحت عاصم، وكان فنانا تقدميا وطنيا إلى تأليف وتلحين نشيد بعنوان (الاتحاد والنظام والعمل) وكان هو بالضبط شعار الرجل الطيب الذي وضعوه أيامها على قمة الثورة رئيسا لصانعيها ورمزا لها وهو المرحوم اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر العربية. وسط هذه الموجات من الحماس، بل قل وسط ذلك الطوفان الذي ساد وقتها من الشعارات الزاعقة والعبارات الوطنية الطنانة وتروا أغنية الاتحاد والنظام والعمل وكانت تغنيها ليلى مراد بصوتها الجميل الرقيق الناصع نصاعة الفضة الاسترليني قرروه على رواد السينما والمسرح والمتنزهات والمحال العامة.. ويومها كنا أطفالا صغارا نقف في الحدائق أمام شاشات السينما الشعبية كانت مجانية طبعا نردد كالببغاوات أغنية بالاتحاد والنظام والعمل. ومن عجب أن لم يقف أحد وقتها ليقول: رويدكم يا قوم. وماذا تريدون من أغاني الحب الملتهب والعشق المستعر والغرام المشبوب؟ أتريدون أن يصدر العاشق أوامره إلى المحبوب صارمة باترة وكأنه يقول.. بادلني المحبة ثكلتك أمك. أو أن يعدل أحمد رامي أغنية هلت ليالي القمر وبدلا من أن تشدو أم كلثوم من مقام الراست البالغ العذوبة، في لحن السنباطي العظيم. هلت ليالي القمر ما أحلا السهر على شط النيل فإذا بها تقول بعد الثورة مثلا: حلت ليالي الضبط والربط: ما أحلى دوريات الأمن والنظام في خدمة خفر السواحل أو شرطة المسطحات المائية ولعله لا يخفى عليك أن موجات العنف التي سادت أحداث الثورة بل وتسود أحداث كل تغيير جذري في حياة الناس وبنية المجتمع وهو أمر طبيعي هذه الموجات ما لبثت أن تكسرت على صخرة الفن الجميل الرفيع.. ثم انحسر مدها ليفسح المجال من جديد إلى رومانسية العشق وأغاني الغرام وان كانت قد أثمرت مع بواكير الحقبة الناصرية براعم فن جديد تفتحت معها أكمام الزهر عن مواضيع وأغراض افتتن في ابتكارها المبدعون في مصر والوطن العربي.. فكان أن غنت أم كلثوم لبيرم التونسي رائعتها شمس الأصيل ذهبت خوص النخيل يانيل وغنى عبد الوهاب النهر الخالد ليقول على لسان محمود حسن اسماعيل: سمعت في شطك الجميل ما قالت الريح للنخيل يسبح الطير أم يغني ويشرح الحب للخميل واغصان تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل هكذا اختفت الشعارات أو أنها تركزت كما ينبغي لها أن تقول في خطب الساسة والزعماء وعاد الاعتبار إلى الغناء الجميل الأصيل وانقذنا الوعي والذوق الفني من مصير الفن بعد ثورة 1917 في روسيا حين كان الرقيب الحكومي جدانوف يحض الشعراء على أن يكتبوا غزلا يتغنى بجمال ماكينة الكهرباء تستطيع أن تقول هذا كله على الثورة التي قادها الشابان اليافعان عباس العقاد وإبراهيم المازني في فاتح عشرينيات القرن الماضي.. كانت هذه المرة انتفاضة أدبية ثورية نقدية فيها كل معاني الرفض والتطرف والتمرد. وإذا كان ناصر قد تمرد ضد تحالف الاقطاع الملك فاروق والسفير البريطاني، فقد تمرد العقاد ضد سطوة شوقي أمير الشعراء واختار المازني أن يتمرد ضد المنفلوطي وكان بدوره من أمراء البيان بارونات النثر الفني في ذلك الزمن البعيد وقد إتهمه المازني بأنه يدعو إلى أدب الميوعة، والترقق؟ التأنث لمجرد أن المنفلوطي رحمه الله كان لايفتأ يتحدث عن البؤس والبؤساء والمساكين لقد أخذ المازني على المنفلوطي عيبا طريفا هو ولع المنفلوطي إلى حد الشغف الغريب بالمفعول المطلق في الكتابة العربية (!) وتكلفه له ولظنه كما يؤكد المازني في كتاب (الديوان) أنه من المحسنات اللازمة للصقول وان العبارات بدونه تكون مبتورة والجمل لا يجري فيها النفس إلى آخره دون توقف واعتراض. كمن المازني للمنفلوطي يترصده خلف كل جدار.. لَبَدْ لَهُ في الذرة كما يقولون في دلتا النيل أو في زراعات القصب كما يقال في صعيد مصر الأعلى. يحصى عليه ما تصوره المازني معايب في أسلوب المنفلوطي وهنات.. قرأ قصة للمنفلوطي بعنوان «اليتيم» وقال عنها المازني: قصة «اليتيم» في 19 صفحة وبعض صفحة من الحرف الجليل (البنط الكبير) وفيها أكثر من 30 مفعولا مطلقا ليس من بينها واحد لايكون الأسلوب أسلس وأطيع بدونه. بعدها يعلمنا المازني درسا نعرفه الآن وقد عرفه آباء النثر العربي في عصوره الكلاسيكية الزاهدة ولكنه أيام المازني كان خافيا عن الافهام يقول: ومعلوم أن الكلام لا قيمة له من أجل حروفه فإن الألفاظ كلها سواء من حيث هي الفاظ وإنما قيمته وقصاصته وبلاغته وتأثيره تكون من التأليف الذي تقع به المزية لا من أجل جرسه وصداه.. ولكن هذا كلام لا يفهمه المنفلوطي لأن اللغة عنده ليست إلا زينة يعرضها وحلي يحتل بها، لا أداة لنقل معنى أو تصوير إحساس أو رسم فكرة. وبعد أن يرصد المازني حركات وسكنات الأديب الكلاسيكي الكبير.. ينهض من مكمنه لكي يتابع خطى المنفلوطي ويمعن في مهاجمته وكأنما يريد لو يثخن أدبه ونثره بما يشاء من طعنات وجراح، ومشكلة المنفلوطي كانت أنه يرسم الموقف في جملة ثم يتوقف عند رسمه ليعيد ويزيد ويكرر ويطيل في الأوصاف والحوارات والمشاعر والنعوت. لم يكن لديه كما نحسب هذا الحس بدراما الموقف أو بإيقاع رسم الشخصيات، مأثورة ثقافة المنفلوطي كانت كتب البلاغة العربية القديمة. أين هذا من الثقافة المحدثة التي أطلعت المازني على أدب الرواية وتكنيك القصة القصيرة وعوامل رسم الموقف الدرامي وتصوير الشخصيات في أدب المسرحيات؟ ها هو المنفلوطي يستثير عطف القارئ ويحاول أن يعتصر من مآقيه مدرار الدموع وهواطل العبرات.. يقف بقارئه عند فتى من جيرته ذهب إليه راوي الحكاية فإذا بالفتى كما يقول المنفلوطي في سطور القصة موشك على الموت.. سقط الفتى مغشيا عليه وحين أفاق يفاجئ القارئ بأن الراوي (المنفلوطي وليس غيره) يقول له: هل تأذن لي يا سيدي أن أسألك من أنت وما مقامك وحدك في هذا المكان وهل أنت غريب عن هذا البلد.. إلى آخر مثل هذه الاستفسارات التي تستفز الحليم وتغضب السليم فما بالك بإنسان أصبح في النزع الأخير. هناك يعلق صاحبنا المازني وقد نال بالقول من أدب المنفلوطي يقول: ومن الغريب أن الفتى لم يصفعه.. ماذا كان يخشى المسكين لو فعل وهو ميت لا محالة بل شرع (كما تروي القصة) يقص عليه تاريخ حياته الذي انتهى بين يدي هذا اللحاد بعد أن فرغ من الحديث الذي يملأ 11 صفحة من 19 صفحة.. فما أطول نفسه في ساعة الموت وما أخلق هذا الأدب الميت بأن يروي عن المحتضرين وما أحق أهل الفتى أن يطالبوا المنفلوطي بدمه؟ وهكذا كتب المازني في (الديوان). هو كتاب يصفه الناقد المعاصر الدكتور ماهر شفيق فريد بأنه (لا يخلو من تطرق واجحاف وتحامل ولكنه لا يخلو أيضا من نظرات صادقة وملاحظات نقدية رهيفة وبصيرة سبقت عصرها.. كان العقاد والمازني رجلين فيهما ما في سائر الرجال (البشر) من قوة وضعف وحيدة وهوى وصواب وخطأ ولكنهما كانا وتلك شفاعتهما بإزاء أي عيوب لمقلين عظيمين جمعا بين النضج ثمار الفكر الغربي والتراث العربي). لقد انطلق العقاد ممسكا بقلم بتار مثل المعول يود لو يحطم أحمد شوقي الشاعر. وانطلق المازني بمعول آخر أقل بترا وأخف جهامة وربما أمعن في السرية، من قلم العقاد يود لو يحطم المنفلوطي الناثر. والحاصل أن عاش شعر شوقي وعاش نثر المنفلوطي والحاصل أيضا أن عاش نقد العقاد نتعلم من نظراته الصائبة كيف نتذوق الشعر الجميل وعاش نقد المازني نتعلم من ملاحظاته النقدية الدقيقة كيف يكون النثر جامعا لمقاييس الفن وحاملا لرسالة المعنى. بقي أن نقول ان المازني أعرب عن الندم لأنه كان مبالغا في النقد إلى حد الهجاء، وان العقاد عاد بعد 37 سنة من صدور كتاب الديوان فأقر لشوقي بالنبوغ في الصنعة والتمكن من الأداء (مجلة الهلال، اكتوبر 1957). وقد استفاد الفن والفكر العربي من هذا الجدل كله لأنه لم يكن جدلا عقيما ولا كان كلمات تذروها رياح الزمان.