تعد قضية اللاجئين الفلسطينيين من اعقد المشكلات التي نجمت عن الغزو الصهيوني واقامة الكيان الاسرائيلي في فلسطين عام 1948 اذ ان هذه المشكلة تمس حاليا مصير اكثر من اربعة ملايين فلسطيني، قذف بهم المشروع الصهيوني خارج وطنهم ليعيشوا في منافيهم القسرية يتكبدون مختلف انواع المعاناة والعذاب اليومي لا سيما وان العدو العنصري الصهيوني لم يتوقف ومنذ اقامة الكيان الاسرائيلي عن ملاحقتهم والاعتداء عليهم بهدف تحطيم ارادتهم والقضاء الكامل على اي امل لهم بالعودة الى ارض آبائهم واجدادهم. وعلى الرغم من ان الكيان الصهيوني اقيم في الاساس على انقاض الوطن الفلسطيني وعبر سلسلة طويلة من المجازر الوحشية التي نفذتها عصابات الشر والجريمة الصهيونية مثل عصابة شيرن والهاغانا وغيرهما من العصابات الاجرامية الا ان المتتبع لتاريخ الصراع العربي الصهيوني يرى ان ما نفذه الصهاينة من مجازر بحق الشعب الفلسطيني بعد اقامة الكيان الصهيوني يفوق بكثير ما نفذته العصابات الصهيونية قبل وخلال حرب عام 1948 سواء بالنسبة للعدو او حجم الخسائر التي خلفتها هذه المجازر في صفوف الشعب الفلسطيني مما يعني ان الصهاينة الذين استطاعوا بواسطة الدعم الاستعماري لهم اقامة كيانهم المصطنع في فلسطين رأوا في تدمير الطاقة البشرية الفلسطينية الهدف الثاني لهم ظنا منهم بأن المجازر والعدوان المستمر سوف ينهي حلم الشعب الفلسطيني بالعودة الى ارضه مما يعني ازالة اهم وأكبر عقبة من طريق المشروع الصهيوني الذي اقيم استنادا الى مجموعة اساطير وخرافات لا يوجد لها اي سند الا في عقولهم وفي مقدمة هذه الاساطير ما يطلقون عليه الوطن الموعود وان الله اعطاهم وعدا سماويا يمنحهم الحق في فلسطين وكذلك ادعاءهم بأن فلسطين هي ارض بلا شعب لشعب بلا ارض وغيرها من الخرافات والاساطير التي دأب الصهاينة على ترديدها بالتعاون مع القوى الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا التي ساندت المشروع الصهيوني منذ بداياته الاولى. ولكنه بعد فشل بريطانيا في تطبيق اعلاناتها المتناقضة اي اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وحماية الحقوق العربية في الوقت نفسه انزلت في فبراير عام 1947 عبء ايجاد حل للقضية الفلسطينية عن كاهلها لتلقيه على عاتق الامم المتحدة التي كانت خاضعة كما هو عليه الحال الآن لهيمنة وسيطرة القوى الاستعمارية الكبرى في العالم. ووضعت الجمعية العمومية للامم المتحدة تصورات مشاريع مختلفة انتهت الى تبني حل تقسيم فلسطين الى دولتين دولة يهودية وأخرى عربية وفي هذا الاطار اصدرت الامم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1947 القرار رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين وتدويل القدس ومنذ صدوره حارب الفلسطينيون قرار التقسيم الذي كان يقيم علاقة غير عادلة بين ما يسمى باضطهاد اليهود في اوروبا الذي ليس لهم اي مسئولية عنه وبين قضم اراضيهم من اجل اقامة الكيان الصهيوني. وعلى الرغم من الرفض العربي لهذا القرار الجائر ومطالبة العرب محكمة العدل الدولية باعطاء رأي استشاري حول اهلية منظمة الامم المتحدة لاتخاذ قرار بتقسيم فلسطين الا ان المنظمة الدولية التي كانت تمثل مصالح الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية تجاهلت الموقف العربي ولم تأخذه بعين الاعتبار لاسباب عدة اهمها ضعف هذا الموقف وعجز العرب عن ترجمة رفضهم للقرار 181 على الارض. وفي الرابع عشر من مايو لعام 1948 وقبل بضعة اشهر من الاستحقاق الذي حدده القرار 181 اعلن اليهود قيام «دولة اسرائيل» وفي هذا الاعلان ذكر الصهاينة بما اسموه «حق اليهود الطبيعي في العودة الى بلاد اجدادهم»! ودفعت سياسة الامر الواقع التي فرضها الصهاينة في فلسطين الدول العربية الى التدخل لتنشب اول حرب عربية اسرائيلية الا ان نتيجة هذه الحرب كانت احتلال الصهاينة اراض فلسطينية خارج ما حدده قرار التقسيم 181 ولم يسلم من الاحتلال الاسرائيلي سوى الضفة الغربية وقطاع غزة. في حين شردت الحرب اكثر من 800 ألف فلسطيني الى خارج بلادهم ليجدوا انفسهم في مخيمات منتشرة في الدول العربية المجاورة لفلسطين لتبدأ فيما بعد ازمة اللاجئين الفلسطينيين بابعادها الانسانية والسياسة والاجتماعية ووجدت منظمة الامم المتحدة نفسها منشغلة في ازمة كبيرة ساهمت هي ايضا في صنعها. ومن بين الحلول التي تبنتها منظمة الامم المتحدة لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين كان القرار 194 الذي اصدرته بعد عدة اشهر من قيام الكيان الصهيوني والذي يرتدي اهميته من كونه تطرق الى مشكلة اللاجئين الفلسطينيين واكد على حقهم في العودة الى ديارهم، فما هو هذا القرار؟ جاء قرار 194 في الدورة الثالثة للجمعية العامة للامم المتحدة بتاريخ 11 ديسمبر 1948 تحت عنوان «انشاء لجنة توفيق تابعة للامم المتحدة وتقرير وضع القدس في نظام دولي دائم وتقرير السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة الى وطنهم». ونتجاوز ما جاء في هذا القرار حول القدس لأنها ليست موضوع البحث لنجد انه فيما يخص اللاجئيين الفلسطينيين جاء في البند الحادي عشر من القرار 194 ما يلي: تقرر السماح بالعودة في اقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة الى بيوتهم والعيش بسلام مع جيرانهم ووجوب تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة الى بيوتهم وعن كل مفقود او مصاب بضرر عندما يكون من الواجب وفقا لمباديء القانون الدولي والانصاف ان يعوض عن ذلك الفقدان او الضرر من قبل الحكومات او السلطات المسئولة، ونلاحظ هنا انه وبعد مضي ثلاثة وخمسين عاما على صدور القرار 194 لم ير هذا القرار طريقة الى التنفيذ مثله في ذلك قرارات الامم المتحدة كلها بشأن الصراع العربي الاسرائيلي ولكن ما يميز هذا القرار هو ان قبول الكيان الصهيوني في عضوية الامم المتحدة كان مشروطا بقبول الصهاينة بالقرار 194 مما يقود الى الاستنتاج الى عدم مشروعية قبول «اسرائيل» في المنظمة الدولية وهو امر يثير تساؤلا كبيرا حول مدى جدية الامم المتحدة في تنفيذ قراراتها او مقدرتها على ذلك. ولعل الحقيقة التي يمكن استخلاصها هنا ونحن نتحدث عن مشكلة اللاجئين هي ان هذه المشكلة تنامت مع الزمن وكبر حجمها ككرة الثلج اذ ان الحديث الآن عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين لم يعد يعني مصير 800 ألف فلسطيني ونيف اقتلعهم العدوان الاسرائيلي وانما يعني مصير اكثر من اربعة ملايين فلسطيني كما ان هذه المشكلة لم تبق مشكلة انسانية كما حاولت الامم المتحدة واطراف اخرى تصويرها وانما مشكلة سياسية معقدة بسبب مجموعة من العوامل هي: 1ـ تمسك الشعب الفلسطيني بحقه الثابت في العودة الى وطن ابائه وأجداده واستعداد هذا الشعب للتضحيات الكبيرة من اجل تحقيق هذا الهدف. 2ـ رفض الشعب الفلسطيني لفكرة التوطين التي طالما روج لها العدو الاسرائيلي والقوى الدائرة في فلكه بالاضافة الى رفض بعض الدول العربية التي استضافت اللاجئين لهذه الفكرة ومن ابرز هذه الدول لبنان الذي ينظر الى مسألة توطين الفلسطينيين في اراضيه باعتبارها مسببا لخلل ديمغرافي سيحدث بالتأكيد في حال تم توطين هؤلاء اللاجئين بالاضافة الى كون التوطين يشكل خطرا كبيرا على الهوية الفلسطينية التي تسعى الحركة الوطنية الفلسطينية الى تثبيتها باعتبارها الركيزة الاهم لمواجهة المشروع الصهيوني. 3ـ ان العديد من الدول العربية ترفض فكرة التوطين خوفا من ان يخلق هذا التوطين للفلسطينيين توترا داخليا فيها بسبب اصرار الفلسطينيين على رفضه. 4ـ اصرار العدو الاسرائيلي على رفض اعادة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم وتمسكه باعادة اعداد قليلة منهم ومحاولته التنصل من مسئوليته عن المأساة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون. 5ـ لم تستطع البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلدان العربية المضيفة ان تشكل عوامل مساعدة لتذويب الفلسطينيين كما كانت تخطط لذلك الدوائر المشبوهة المتحالفة مع الكيان الاسرائيلي. 6ـ ان خيبة الامل التي اصيب بها اللاجئون امام فشل الاحزاب والقوى السياسية العربية دفعت بهم الى البحث عن بدائل تتجسد بالاعتماد على الذات مما شكل لديهم وعيا سياسيا من نوع خاص وامام كل ما تقدم نرى ان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين تشكل العقبة الاكبر في طريق اية تسوية سياسية يحاول اطراف الصراع العربي الاسرائيلي ايجادها لانها مشكلة معقدة جدا وتحتاج كلها الى تعاون اطراف كثيرة وفي مقدمتها الامم المتحدة التي اضحت بفعل الهيمنة والضغوط الامريكية عليها اشبه بثلاجة تحفظ فيها قضايا الشعوب الساخنة ليس الا.