نعود الى السؤال الاساسي: هل تتحول مصر في موقفها تجاه قضية الحرب والسلام في جنوب السودان من وسيط حيادي بين النظام الحاكم في السودان والحركة الشعبية بقيادة قرنق الى شريك منحاز للنظام؟ ان القاهرة، كما ذكرنا تتمسك بمبدأ وحدة السودان رافضة بالتالي مبدأ تقرير المصير الذي ينطوي على احتمال انفصال الجنوب. ولأغراض تبادل المصالح في اطار الشراكة الاستراتيجية المتسارعة الخطى بين مصر والسودان اضطرت الحكومة السودانية. مجاراة للحكومة المصرية، الى التملص من مبدأ تقرير المصير. غير ان استبعاد تقرير المصير يؤدي لتعقيد قضية الجنوب لأنه يعطي مبررا لقوات قرنق للاستمرار في الحرب من اجل انتزاع حق تقرير المصير بوسيلة القتال. فماذا يكون موقف مصر في هذه الحالة؟ هل هي على استعداد، انطلاقا من اعتبارات الشراكة الاستراتيجية المصرية السودانية، للمشاركة في حرب الجنوب بصورة او بأخرى؟ لنعد للوراء قليلا. لقد قبلت الحكومة السودانية مبدأ تقرير المصير اضطرارا قبل اربع سنوات فقط. وارتضت لنفسها هذا الاضطرار من فرط وطأة الحرب الطويلة في الجنوب باستنزافها الاقتصادي الخطير وانعكاساتها السياسية السلبية في الشمال وما جرت للخرطوم من تعقيدات اقليمية ودولية هي في غنى عنها. ورغم ان قبول الحكومة تقرير المصير لم يؤد الى وقف الحرب الا انه سحب البساط من تحت اقدام حركة قرنق وفتح نافذة على السلام على الاقل. والآن وبعد ان نبذت الحكومة السودانية مبدأ تقرير المصير تعود القضية الى المربع واحد حيث يصبح الحل العسكري هو الخيار الوحيد المتاح امام الحكومة. وبالتالي يتواصل الاستنزاف الاقتصادي ويتفاقم عدم الاستقرار. ان منطق الشراكة الاستراتيجية يتطلب اذن في هذه الحالة تدخل مصر عسكريا كشريك للسودان. من باب هذه الشراكة رفضت مصر اي حل سياسي للقضية الجنوبية لا يقوم على اساس وحدة السودان. ومن باب الشراكة نفسها احترمت حكومة السودان هذا الرفض وقررت الالتزام به، وبالتالي وضعت نفسها في تناقض كامل مع القادة الجنوبيين كافة بمن في ذلك جون قرنق. فالقادة الجنوبيون على اختلاف رؤاهم السياسية يجمع بينهم مبدأ تقرير المصير. وبما انه لن يتبقى امام الحكومة في هذه الحالة الا الحسم العسكري بقصم ظهر جيش قرنق فإن الشراكة الاستراتيجية تتطلب من مصر المشاركة في تحقيق هذا الحسم العسكري، اما اذا رأت القاهرة انها لسبب او آخر لا ترغب في ان يكون لها دور عسكري في مشكلة جنوب السودان فإن المنطق يفرض في هذه الحالة بأن تنأى القاهرة بنفسها عن المشكلة كليا كطرف شريك بأي صورة من الصور لتكتفي بدور وسيط، على ان تكون وساطتها في هذه الحالة حيادية بين الطرفين بنسبة مئة في المئة. انا شخصيا اميل الى هذا الخيار الثاني، فمصر في موقف جيد يمكنها من لعب دور الوسيط في مشكلة جنوب السودان بشرط ان تحرص على مصداقية هذا الدور. ولكي يكون لهذا الدور مصداقيته الكاملة فإن هذا يتطلب من القاهرة ان تقر بحق شعب جنوب السودان في تقرير مصيره بنفسه ورغم ان انفصال الجنوب هو احد الاحتمالات التي يمكن ان يفرزها تقرير المصير الا انه ليس الاحتمال الاوحد. وفي كل الاحوال فإن العامل الحاسم في مستقبل جنوب السودان هو البعد الدولي، فمثلا في دور الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي وراء حركة قرنق. وليس هناك قوة اقليمية في محيط السودان لها علاقة استراتيجية متينة مع الولايات المتحدة مثل مصر.