رغم أني قمت بتغطية حروب عديدة ورأيت من بشاعاتها وبشاعة آثارها ما جعلني أعتقد أنه لا يمكن ان ارى او أشاهد أسوأ مما رأيت، الا أنه حينما دعاني نائب رئيس تحرير غرفة الاخبار في «قناة الجزيرة»، لأشاهد الصور التي كانت قد وصلت لتوها عبر الأقمار الاصطناعية لجثة الطفلة الرضيعة الفلسطينية ايمان حجو التي مزقتها شظية قذيفة دبابة اسرائيلية حقا اصبت بالصدمة والذهول وعدت فورا الى مكتبي وغرقت في صمت عميق، ورغم ان معظم الناس شاهدوا جسد الرضيعة الا ان معظم وسائل الاعلام لم تبث الصور كاملة بسبب قسوتها، وقبل أيام جلست وسط عشرات التقارير الفيلمية المصورة ابحث عن عبارات وجمل وردت على ألسنة الفلسطينيين يصفون فيها بعض ما يقوم به الاسرائيليون الان من بشاعات لا تقل عما قاموا به قبل يوم النكبة وهو الخامس عشر من مايو عام 1948، حيث اعلن عن قيام اسرائيل على اطلال فلسطين وهو ما صادف يوم الثلاثاء الماضي. جلست يومين بين التقارير المصورة فكنت أشعر وأنا أتنقل بين التقارير والصور اني اغوص بأقدامي بين الدماء والاشلاء والبيوت المهدمة والقلوب الثكالى وأنات الجرحى ونداءات العجائز التي لم تجد من يسمعها، ومن بين الجميع رأيت ام الرضيعة الشهيدة ايمان حجو وهي ممددة على سريرها في المستشفى وقد اصيبت بجروح بالغة وروت كيف استشهدت ايمان فقالت بصوت بالغ الضعف والألم: «لقد فدتني ايمان بحياتها حينما بدأ القصف فررت من البيت وسعيت للاحتماء بها في ظل شجرة لكن القذيفة لاحقتنا واخترقت جسد ايمان فمزقته وذهبت ايمان بعدما فدتني بحياتها» ثم اكملت بصوت أم ثكلى «ايمان حلوة.. ايمان حلوة.. ايمان صغيرة.. ايمان رضيعة.. بنتي ايمان..» ثم اجهشت بالبكاء وأجهشت معها.. ظهرت ام اخرى بعدها تستظل بحطام بيتها وهي تقول: «لقد هدم الاسرائيليون البيت ولم يتركوا لنا مجالا حتى لنأخذ بعض حاجاتنا.. كل ما فعلته هو اني حملت اولادي واسرعت بهم وانا اتلفت خلفي لأجد بيتي الذي كنت احتمي فيه وقد تحول الى اطلال». رأيت بعدها جدة عجوزاً عاشت عصر النكبة من أول يوم فيه فقالت «لقد شردنا اليهود من بيتنا وهدموه عام ثمانية واربعين فهربنا الى طولكرم ثم ضربونا وهجرونا عام ستة وخمسين ففررنا الى غزة ثم ضربوها وهجرونا الى منطقة اخرى عام سبعة وستين والان هدموا منزلنا قبل ايام وكنا ستين فرداً نعيش فيه فعدنا مرة أخرى الى الخيام والعراء الذي وضعونا فيه عام ثمانية واربعين». ثم ظهرت اطلال بيت مهدم بدت بعض الكتب والكراسات والملابس مختلطة بالتراب والخشب والأطلال فيما كان عدد من الاطفال ينتشرون حول البيت بينما كانت طفلة حزينة تجلس على اطلاله، بعد قليل تحدثت عن فاجعتها فقالت: «لقد فاجأنا اليهود بهدم منزلنا امس فقمنا مفزوعين نجري خارجه حتى دون ان نلبس شيئا في اقدامنا او نرتدي شيئا من ملابسنا رغم برودة الجو في الخارج وبعد دقائق حولوا بيتنا الى اطلال.. كان الخوف يملأ قلوبنا والفزع، فمع هدم البيت لم يتوقف القصف علينا طوال الليل» صمتت الطفلة قليلا وهي تكتم دموعها ثم قالت «لقد كانت ليلة مخيفة وحزينة». وجدت بعد ذلك طفلا يلعب مع بعض اقرانه حول حطام بيت بدا الحزن يملأ عينيه حينما وقف امام الكاميرا ثم قال وهو يشير تحت التراب هنا كانت كتبي تحت هذا التراب، وفي هذا الجانب كانت ملابسي وهناك كانت العابي واغراضي كلها تحت التراب لقد خرجنا جميعا ونعيش الان في خيمة الا جدي».. ثم اغرورقت عيناه بالدموع وتهدج صوته ثم اكمل بصوت تخنقه الدموع «فقد مات تحت الانقاض ثم اخرجناه وغسلناه في الخيمة».. ثم اجهش الطفل بالبكاء. مررت بعد ذلك على عجوز تقول: «لقد هدموا بيوتنا جميعا ودمروا آبار الماء التي كنا نشرب منها لكننا لن نغادر ارضنا فالأرض مثل العرض وسنظل صامدين في هذا المكان» كانت الدموع تخنقني طوال الوقت وكثيرا ما كنت اوقف جهاز العرض وامسح دموعي حتى جاءت هذه الثكلى محمولة بين الايدي وهي تصرخ صرخة المرأة التي صرخت على المعتصم من عمورية فحرك لها جيشا حررها من الغدر لكن صرخة المكلومة المظلومة الفلسطينية اشعرتني ان قلبي ينخلع مني وأنا اسمعها قالت المرأة وهي تصرخ «... وين زعماء العرب وين.. وين زعماء العرب وين..» شعرت ان صرختها تجلجل في الافاق وتهز الكون كله.. اطرقت برأسي على مكتبي ومددت يدي الى آلة العرض اوقفها فهذه المرة لم تخنقني الدموع لكني اجهشت بالبكاء.. اجهشت بالبكاء.. انه ليس يوم النكبة وإنما عصر النكبة.