حذرت روسيا من عواقب لا يمكن التكهن بها حال تخلت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش عن معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ «آي بي أم» التي كان الرئيس بوش طالب بتغييرها بالتزامن مع عزمه المضي في مشروع الدفاع الصاروخي. وقد اعتبرت روسيا المسوغات التي قدمتها الولايات المتحدة الامريكية من ان المشروع الدفاعي يهدف الى تعزيز الامن الدولي هي مسوغات تتعارض مع ما كانت تصرح به الولايات المتحدة الامريكية مباشرة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي بقولها انها ستعمل على بناء عالم خال من الاسلحة البالستية ويكون مجال المنافسة فيه بين الدول على الاقتصاد والتكنولوجيا وتتعاون فيه دول العالم على مواجهة التحديات الدولية الجديدة كمشكلات البيئة والفقر والارهاب وتزايد الانفجار السكاني. ومثل هذه المشكلات التي طرأت على الحياة الدولية الجديدة كان برأي روسيا ان الولايات المتحدة الامريكية ستوليها اهتماما في سياستها الدولية الجديدة إلا انها تفاجأت بإصرار الادارة الامريكية الجديدة على التخلي عن معاهدة حققت نوعا من التوازن والاستقرار الاستراتيجي في العالم واصرارها في ذات الوقت على تنفيذ مشروع الدرع الصاروخي الذي لم ترحب به الدول الاوروبية الحليفة ذاتها كفرنسا وبريطانيا والمانيا لانه يتعارض «اي المشروع» برأيها مع التوجهات الدولية الجديدة التي افرزتها حقبة ما بعد الحرب الباردة والتي تميل الى التقليل من الانفاق على البرامج العسكرية واكثر من ذلك كله ان الولايات المتحدة الامريكية ذاتها طالبت اكثر من مرة روسيا بوقف البرامج العسكرية الكبيرة كتطوير الصواريخ البعيدة المدى بل انها طالبت حليفاتها الدول الاوروبية ايضا باتباع سياسة جديدة تقوم على اعطاء الاولوية للأمن الاقتصادي على الأمن العسكري. قيادة العالم وكانت روسيا من اوائل الدول التي عبرت عن استنكارها للمبادرة الامريكية خصوصا ان المبادرة تزامنت مع تصديق البرلمان الروسي على معاهدة «ستارت 2» الخاصة بتحديد سقف الاسلحة البالستية طويلة المدى والتي اعتبرتها الولايات المتحدة ـ أي الاتفاقية ـ انتصارا استراتيجيا يضاف الى انتصاراتها السابقة على الامبراطورية الشيوعية السابقة بل انها اعتقدت انها اكملت آخر مرحلة من مراحل صراعها مع الاتحاد السوفييتي بتصديق روسيا على أهم اتفاقية في تاريخ العلاقات الامريكية الروسية. ولم تنتظر الولايات المتحدة الامريكية طويلا لكي تفصح عن انها اصبحت القوة الوحيدة التي تتوافر على عناصر قيادة العالم فجاء الاعلان عن المشروع الصاروخي عن اراضيها والذي هدفت منه تمرير رسالة للقوى العسكرية الدولية كروسيا والصين ودول الاتحاد الاوروبي مفادها ان لا تتجاوز هذه القوى الخطوط الحمراء اذا تعلق الموضوع بادارة العلاقات الدولية الراهنة، لان تجاوز هذه القوى للدور المسموح لها به ان تأديه في النظام الدولي الجديد الذي تنفرد به الولايات المتحدة الامريكية يعني فيما يعنيه بالنسبة للولايات المتحدة ان مصالحها ستصبح محل مساومة وهذا ما لا تقبله الولايات المتحدة خاصة ان قوى صاعدة كالصين واليابان تنافس امريكا على مواقع اقتصادية حساسة في مناطق النفوذ الامريكي. اما اذا لم تلتزم هذه القوى بالقواعد الدولية للعالم الجديد الذي تشرف الولايات المتحدة الامريكية على ادارته فإن هذه الاخيرة تمتلك المقدرة العسكرية ووسائل الردع الأخرى التي تؤهلها لاحتواء هذه القوى وتضييق الخناق عليها دوليا. وتتخوف الولايات المتحدة فعلا من تنامي القدرات العسكرية والاقتصادية للقوى الدولية خاصة القوى الصاعدة كالصين مثلا التي تعاظم دورها ومكانتها في السنوات الاخيرة بفضل ما توصلت اليه من خبرة تكنولوجية في بناء الصواريخ البعيدة المدى والتي تتخوف الولايات المتحدة من انها قد تكون قادرة على اصابة اهداف في العمق الاستراتيجي الامريكي. ان الخبراء الامريكان يتخوفون من ان الصين قد تملأ الفراغ الاستراتيجي الناجم عن تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وربما تتجاوز خطورتها على المصالح الامريكية في العالم خطورة روسيا ودول الاتحاد الاوروبي. روسيا وحلبة المنافسة اما روسيا فهي ليست في وضع يؤهلها لان تنافس الولايات المتحدة الامريكية على ادارة النزاعات الدولية وظهر ذلك من خلال فشلها في تسوية النزاع في كوسوفو والنزاع في الشرق الاوسط فضلا عن انها تعيش مشكلات اقتصادية وامنية كان لها الاثر الواضح على قدراتها العسكرية والدبلوماسية بل يمكن ان نجزم ان تصديقها على اتفاقية «ستارت 2» لم يكن على اساس انها ترغب في احلال السلم الدولي في الحياة الدولية الجديدة بل ان السبب الرئيسي يتمثل في ان روسيا تريد ان تتودد للولايات المتحدة وتتقرب اليها اكثر حتى ولو كان هذا التقرب على حساب امنها الداخلي وعقيدتها العسكرية التي تجبرها على ابقاء سقف معين من المقدرة النووية للحفاظ على هيبة روسيا الدولية او على الاقل تحافظ على هيبتها في محيطها الاقليمي حيث الجمهوريات السوفييتية سابقا والتي ترغب روسيا في الابقاء على نفوذها عليها مستقبلا. فروسيا بحاجة الى قروض مالية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اليوم وتجد معارضة من الهيئات المالية هذه كل مرة تطلب منها المساعدة لمعالجة الخلل في ميزان المدفوعات الروسي، لاجل ذلك صادقت على الاتفاقية لكي تتوسط لها الولايات المتحدة لدى الهيئات الدولية بعد ان تكون اقتنعت من ان روسيا قد التزمت فعلا بالشروط الامريكية، اولها تحديد وتخفيض في سقف الاسلحة النووية والبالستية وثانيا الالتزام بمباديء الليبرالية والديمقراطية وحقوق الانسان في الحياة السياسية في روسيا. كما ان روسيا لا تنوي الانفاق اكثر على البرامج والمشاريع العسكرية الكبيرة لان ميزانيتها غير قادرة ان تغطي تكلفتها الكبيرة وقد كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واضحا عندما صرح بأن الاولوية بالنسبة اليه هي تحسين الوضع المعيشي للمواطن الروسي ومعنى ذلك ان الامن الاقتصادي بالنسبة اليه يسبق الامن العسكري في توجهات روسيا المستقبلية، لكن اصرار الولايات المتحدة على الذهاب بعيدا بمشروعها العسكري سيضع روسيا امام الامر الواقع وربما سيستدعي منها الوضع الجديد ان تعيد النظر في سياستها العسكرية الجديدة التي تآكلت كثيرا في السنوات الاخيرة لقلة الموارد المالية وستجد روسيا نفسها مجبرة على الدخول في حلبة المنافسة العسكرية مع الولايات المتحدة الامريكية لكي تحافظ على ما تبقى لها من مصداقية دولية في الساحة الدولية الجديدة كما ان أوروبا ذاتها ستعيد حساباتها الاستراتيجية اذا ما نفذت الادارة الامريكية الجديدة مشروعها، ففرنسا مثلا وهي القوة النووية الاوروبية التي تقود التوجه الاوروبي نحو تحقيق الاستقلال الامني والعسكري عن الولايات المتحدة الامريكية تعتقد انه لم يعد اي جدول للدول الاوروبية في ان تبقى محتمية تحت المظلة الامريكية بعد ان زال الخطر الشيوعي الذي شكل تهديدا عليها لمدة جاوزت الاربعين سنة واكثر من ذلك كله تستطيع اوروبا الموحدة اليوم الدفاع عن امنها لوحدها لانها تمتلك المقدرة العسكرية لحماية امنها، فالمشروع الامريكي برأي الدول الاوروبية انما جاء لتطويق واحتواء اوروبا عسكريا ومنعها من لعب أي دور دولي في العلاقات الدولية وهذا ما قاله وزير الخارجية الفرنسي روبير فيدرين عندما التقى وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت بل انه اعلن ان فرنسا ودول الاتحاد الاوروبي ستؤسس قوة عسكرية اوروبية موحدة للرد السريع لمواجهة التحديات والمخاطر على الآمن الاوروبي في المستقبل. وتقود فرنسا والمانيا المشروع الاوروبي الذي رفضته الولايات المتحدة عندما اعلنته دول الاتحاد الاوروبي في اجتماع الحلف الاطلسي الذي تقرر توسيعه جنوبا حيث دول جنوب اوروبا لذلك ستعمل دول الاتحاد الاوروبي ومعها الصين وروسيا على محاولة افشال المشروع الامريكي الذي يستهدف احتوائها وابقائها تحت المظلة الامريكية لكي لا يكون لها ـ أي هذه الدول ـ أي فاعلية دولية في النظام الدولي الجديد الذي تنفرد به الولايات المتحدة الامريكية اليوم. ـ كاتب جزائري