كان لافتا للنظر ان من بين الاتفاقات التي افرزها لقاء القمة الاسبوع الماضي بين الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس السوداني عمر البشير اتفاقا على «التعاون العسكري» بين الدولتين وبما ، ان أكبر هاجس للسودان يتمثل في حرب الجنوب التي ظلت تدور لمدى 18 عاما فإنه لا يمكن تصور أي تعاون عسكري بين مصر والسودان ليس على صلة محورية بهذه الحرب ضمن الاطار السياسي الأكبر لمشكلة جنوب السودان المزمنة، فهل يتحول دور مصر في هذه القضية من وسيط بين طرفي الحرب الى شريك لاحدهما؟ ان مشكلة جنوب السودان عمرها في الحقيقة 46 عاما، فقد بدأت في عام 1955 قبيل اعلان استقلال البلاد بأقل من سنة بتمرد عسكري في الجنوب. ومنذ ذلك الحين لم يشهد الجنوب حالة استقرار كامل إلا لفترة 11 عاما من عام 1972 حين وقعت اتفاقية سلام حتى عام 1983 حين تجددت الحرب المشتعلة حتى اليوم. طوال هذا التاريخ الطويل لهذه المشكلة المزمنة منذ عقد الخسمينيات لم تعر القاهرة كبير اهتمام بها إلا في عقد التسعينيات حين تبلور البعد الدولي كأهم عنصر في عناصر المشكلة في اطار استراتيجية امريكية. ومع ذلك لم تتمكن مصر من الدخول الفعلي على خط المشكلة إلا قبل سنتين أو ثلاث عندما أخذت علاقتها مع النظام السوداني الحالي تتغير من حالة عداء ساخن الى حالة أقرب الى التحالف الاستراتيجي الشامل. هذا الدخول الفعلي اتخذ ولا يزال يتخذ حتى الآن شكل وساطة بين النظام وفصائل المعارضة بما في ذلك «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بزعامة جون قرنق. وكما نعلم تبلورت هذه الوساطة فيما سمي «المبادرة المصرية الليبية»، لكن سرعان ما اكتشفت القاهرة ان رؤيتها الذاتية لحل سياسي سلمي لمشكلة جنوب السودان تتناقض مع مبدأ اساسي كانت الحكومة السودانية قد التزمت به حيال قادة الفصائل الجنوبية قاطبة بمن في ذلك فصيل قرنق.. ألا وهو مبدأ تقرير المصير للجنوب. لقد كان مبدأ تقرير المصير المرتكز الاساسي لاتفاقية الخرطوم للسلام التي وقعتها الحكومة عام 1997 مع عدد من الفصائل الجنوبية. ورغم ان حركة قرنق لم تكن طرفا في الاتفاقية إلا ان نفس المبدأ التزمت به الحكومة ايضا في سياق المفاوضات بينها وبين الحركة في إطار منظمة «ايجاد». لاعتبارات تتعلق بثوابت استراتيجية ترفض مصر انفصال جنوب السودان ولهذا فإنها ترفض أي صيغة لحل سياسي سلمي للمشكلة يمكن ان تنطوي على احتمال لانفصال الجنوب.. وتحديدا صيغة تقرير المصير التي تتيح لشعب جنوب السودان تحديد مستقبله عبر استفتاء شعبي بين خيار استمرار الوحدة مع الشمال وخيار الانفصال لانشاء دولة مستقلة والآن صار مبدأ تقرير المصير ضحية لعلاقة الشراكة الاستراتيجية الشاملة المتنامية بايقاعات متسارعة بين مصر والسودان.. الامر الذي يقلص من فرصة الحل السياسي السلمي لمشكلة جنوب السودان ويزيد بالتالي من احتمال استمرار الحرب. فالشراكة الاستراتيجية المتصاعدة بين مصر والسودان في المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية والدبلوماسية ما كان لها ان تنطلق بسلاسة إلا بتنازلات متبادلة في هذا الجانب أو ذاك وفقا لقاعدة تبادل المصالح. ومن هذه التنازلات كان تخلي الحكومة السوداني عن مبدأ تقرير المصير للجنوب لتلتقي مع القاهرة في تبني حل سلمي للمشكلة منحصر في اطار وحدة السودان. فكيف يؤثر هذا التطور على مستقبل القضية؟