حقيقة أساسية كان العرب طوال خمسين عاما يحاولون التهرب منها، حتى جاء شارون ليضعها أمام عيونهم واضحة حاسمة، عندما أكد أن ما يسمونه حرب الاستقلال (أي حرب اغتصاب فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني)، لم تنته بعد. وهو ما يعني أن إبادة الشعب الفلسطيني ستستمر، واغتصاب الاراضي سيتواصل، ومأساة اللاجئين ستبقى وتزداد وطأتها بإنضمام أجيال جديدة من اللاجئين تخطط إسرائيل الآن لإجبارهم على ترك الوطن. الحرب لم تنته، وحدود الدولة الصهيونية لم تتقرر ولن تتقرر الآن، وهدف إسرائيل الكبرى لم يدفن في التراب كما أشاع البعض، والسلام الموعود لن يتحقق لأن الصراع كما قلنا منذ البداية وكما يقولون الآن هو صراع على الوجود وليس على الحدود. وأتذكر هنا أن الذين حاولوا تسويق إتفاق أوسلو وقادوا حملة التطبيع مع العدو الصهيوني أو أجنحة منه بدعوى أنها من أنصار السلام القادم كانوا يرتكزون إلى فكرة أساسية وهي أن الصراع كان يدور بين المشروع القومي العربي والمشروع الصهيوني، والنتيجة كما كان يقدمها لطفي الخولي رحمه الله في حواراته الأخيرة أن الهزيمة قد لحقت بالمشروعين إنهزمت القومية العربية وغاب حلم الوحدة من جانب، وانهزمت الصهيونية وتراجع حلم بناء إسرائيل الكبرى .. ووفقا لهذا النهج من التفكير .. أصبح الطريق ممهدا للتسوية التي تعترف بالواقع، وتبتعد عن الأحلام، وتلتقي في منتصف الطريق، وتنهي الصراع الذي لم يعد له مبرر! كان ذلك في مرحلة حتمية عربية أنهاها الإسرائيليون أنفسهم مبكرا، ورغم كل محاولات التجميل فقد كان واضحا أنه عندما اصطدمت التسوية السياسية بالمشروع الصهيوني، توحد الإسرائيليون جميعا في رفض التنازل عن أي شئ أساسي في مشروعهم.. لا القدس، ولا المستوطنات، ولا عودة اللاجئين، ولا استمرار التوسع، ولا النظر لصراعهم مع العرب (وليس الفلسطينيين وحدهم) على أنه صراع أبدي ومحتوم لأنه صراع بين (قوميتين) على نفس الأرض.. وهو ما يجسده شارون الآن بكل وضوح حين يعلن أن الحرب التي بدأت في 48 مازالت مستمرة حتى تحقق أهداف المشروع الصهيوني. عداء للعرب .. وليس لليسار! حقيقة أساسية أخرى يعرفها العرب ويصرون لأسباب كثيرة على تجاهلها، وهي أن المشروع الصهيوني ما كان له أن يحقق كل هذه النجاحات لولا الدعم الأمريكي، وأن العدوان الإسرائيلي ما كان يبلغ هذه الدرجة من البشاعة والغطرسة لولا المساندة الأمريكية. وكانت أمريكا تجد ما تبرر به مساندتها لإسرائيل حين كانت تضع الصراع العربي الإسرائيلي في إطار الحرب الباردة، وتصور دعمها لإسرائيل على أنه مواجهة للنفوذ السوفييتي في المنطقة، وتفسر عداءها للقاهرة ودمشق بأنه عداء لليسار وليس للعرب. وكانت واشنطن تتناسى أن هذا الفريق العربي لم يلجأ للسلاح السوفييتي إلا بعد أن رفض الغرب إمداده بما يدافع به عن نفسه في وجه الاعتداءات الإسرائيلية. وكانت واشنطن تتجاهل أن عبد الناصر أكد بعد إطلاق ثورة يوليو أنها ستوجه إهتمامها للبناء الداخلي ولن تدخل في حرب في هذه الفترة مع إسرائيل.. فكان بن جوريون عندما نقل مسئول سياسي بريطاني في هذا التأكيد: إن هذا أسوأ خبر سمعه في حياته، وأنه لايمكن أن يسمح لمصر ببناء نفسها لأن هذا هو الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل. وكانت واشنطن تتناسى أن هذا الفريق العربي بزعامة مصر حاول المستحيل لكي يقيم علاقات متوازنة مع أمريكا ولكي يحصل على مساعدتها، ولكنها رفضت على الدوام أن تقدم مساعدتها، ولكنها رفضت على الدوام أن تقدم مساعدة حقيقية إلا بشروطها وفي الميادين التي لا تحقق تقدما في القدرات الاقتصادية والعسكرية. ومن هنا توجه هذا الفريق للتعاون مع المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفييتي أيامها، وكان تعاونا إيجابيا في مختلف المجالات. أمريكا .. اللاعب الوحيد ومع ذلك، فلنترك هذا كله فقد أصبح من أحاديث الماضي، والواقع الآن أبعد ما يكون عنه.. فالاتحاد السوفييتي أصبح في ذمة التاريخ، والحرب الباردة انتهت بإنتصار باهر للأمريكان والشرق الأوسط لم يعد ميدانا لصراع النفوذ بين القوى الكبرى بل أصبح بحيرة أمريكية خالصة، والعرب سبقوا العالم كله بإعطاء أمريكا 99% من أوراق اللعبة، ومصر وقعت معاهدة سلام مع العدو الإسرائيلي قبل أكثر من عشرين سنة، وبعدها وقعت الأردن وألقى عرفات السلاح وباع كل شئ مقابل الرضا الأمريكي.. فماذا فعلت واشنطن بكل ذلك؟ وكيف تصرفت بعد أن أصبحت اللاعب الوحيد؟ أخذت واشنطن أوراق اللعبة التي تنازل عنها العرب أملا في تسوية عادلة، فأعطتها لإسرائيل. ووقفت في النهاية تعلن أنها ستتفرج على ما يجرى في المنطقة إنتظار الإنتهاء (العنف) في فلسطين.. و(العنف) هو الاسم الحركي الذي تطلقه واشنطن على المذابح التي تقيمها إسرائيل للشعب الفلسطيني الذي تحمله واشنطن مسئولية ما يجرى له لأنه تجرأ وتظاهر من أجل القدس وطلبا لإنهاء إحتلال ما كان يمكن أن يقع أو يستمر لولا الدعم الأمريكي لإسرائيل. وأعلنت واشنطن بكل وضوح أن ما يهمها في المنطقة أمران: البترول وأمن إسرائيل. أما البترول فهو تحت السيطرة، والخليج أصبح بحيرة أمريكية آمنة، والعراق قد تم تدميره ويتواصل حصاره وتجويع شعبه، وكارثة الغزو العراقي للكويت وما تبعها ينبغي أن تستثمر حتى النهاية.. فيظل العراق في مأساته، ويستمر الخليج تحت الإبتزاز الأمريكي، وتظل المصالحة العربية في باب الممنوعات، ويستمر تدفق البترول العربي بأرخص الأسعار. وأما إسرائيل.. فلم يعد هناك شك في أن المطلوب أمريكيا ليس مجرد تأمينها، بل المطلوب أن تكون قاعدة أمريكا الأساسية في المنطقة لتركيع العرب ومن هنا فهي وفقا للسياسة الأمريكية لابد أن تكون أقوى عسكريا من كل الدول العربية.. حتى بعد أن أعلنت الحكومات العربية قبولها بمنطقة التسوية، وحتى بعد أن تنازل الفلسطينيون عن ثلاثة أرباع أرضهم، وحتى في ظل إمتلاك إسرائيل للسلاح النووي. ومن هنا أيضا تتجاوز واشنطن كل الحدود حين تقدم الدعم اللامحدود لحكومة النازيين الجدد في إسرائيل ليواصلوا مذابحهم ضد الشعب الفلسطيني.. بينما تتواصل الجهود الأمريكية على العواصم العربية لتمنعها من تقديم الدعم المطلوب للفلسطينيين، أو لتطالبها بالضغط عليهم لقبول ما لا يمكن قبوله، وعلى الجانب الآخر تستمر الضغوط الأمريكية على أوروبا لتمنعها من إدانة العدوان الإسرائيلي الهمجي ويستمر الرفض الأمريكي لتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين المتهمين من أمريكا بإرتكاب جريمة استفزاز الإسرائيليين، وتعكير صفو حياتهم بالهتافات والحجارة، ودفعهم وهم الغلابة الطيبون إلى التفوق على النازيين في ارتكاب المذابح الوحشية ضد الأطفال والمدنيين الفلسطينيين. تركيع العرب هو الهدف أي مبرر لهذا السلوك الأمريكي إلا معاداة العرب ومحاولة إذلالهم، وإلا وضع الأنظمة العربية الصديقة (وكل الأنظمة العربية في حالة صداقة مع واشنطن والحمد لله) في حالة صدام مع شعوبها، والدفع بالمنطقة نحو المجهول؟! إن إسرائيل بتصريح من أمريكا تلعب ورقة القوة حتى النهاية وبحماقة لا مثيل لها فتمارس حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، وتوجه تهديداتها يمينا ويسارا. بضرب دمشق والقاهرة ونسف السد العالي وإعادة احتلال لبنان. إسرائيل تلعب ورقة القوة وهى تتصور أن الحرب إذا وقعت في مصلحتها. ولكن ماذا تفعل أمريكا ؟ ولماذا تصر على تأكيد دعمها اللامحدود لحكومة السفاحين في تل أبيب؟ ولماذا تترك الأوضاع تتدهور إلى هذا الحد؟ وهل تتصور أن غضب الشارع العربي سيظل مكتوفا في الصدور إلى الأبد؟ إننا نعلم أن الإتصالات العربية الأمريكية الرسمية تتواصل، وستتكثف في الأيام المقبلة من خلال لقاءات علنية أو سرية في محاولة لإقناع أمريكا بإنقاذ الموقف. وقد تخطو الإدارة الأمريكية خطوة نحو ذلك أو تصر على موقفها أملا بأن ينهي شارون المهمة ويدفع الفلسطينيين إلى الركوع والاستسلام. وفي الحالة الأولى (أي إذا تحركت أمريكا لإنقاذ الموقف) فالسقف معروف.. وهو إنهاء (العنف ) أي وقف لإنتفاضة مقابل وقف إسرائيل لمذبحتها ضد الشعب الفلسطيني، ودون أي تصور للحل النهائي ولا وعد بإنهاء الاحتلال ولا اقتراب من القضايا الأساسية. وفي الحالة الثانية فسيزداد الإرهاب الإسرائيلي، وستشتد حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، وفي ظل الدعم الأمريكي والصمت الدولي والعجز العربي فإن المحنة لن تقتصر على أرض فلسطين، وحماقة القوة ستقود شارون وجنرالاته إلى المزيد من المغامرات. الحرب مستمرة.. والمقاومة وليس أمام العرب الآن إلا الدعم غير المحدود لإنتفاضة الأقصى لأن هزيمتها لن تكون هزيمة للفلسطينيين فقط بل للعرب جميعا، ونتائجها لن تكون ضياع القدس وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي داخل فلسطين.. بل فرض الهيمنة الإسرائيلية على العرب أجمعين، وإنهيار ما تبقى من النظام العربي. وليس أمام العرب الآن إلا أن يعلنوا موقفا واضحا مما يجرى يتحمل فيه الجميع المسئولية ويحاسبون على أفعالهم، ولتكن الرسالة حاسمة لأمريكا قبل إسرائيل، وللذين يدعمون ويساندون ويتساهلون قبل الذين يرتكبون المذابح. إن إغلاق السفارات الإسرائيلية وطرد السفراء من العواصم العربية قد أصبح مطلبا شعبيا. وتحايل البعض على قرارات سابقة للقمة وإبقاء ممثلي إسرائيل في بعض العواصم لا ينبغي النظر إليه على أنه فقط انتهاك لقرارات التزمت بها الدول العربية.. بل هو تحد لإرادة الشعب ودعوة للآخرين للتعامل مع العرب باستهانة وازدراء. إن لجان مقاطعة إسرائيل في كل العالم العربي لابد أن تركز جهودها على إرغام الحكومات العربية على عقد اجتماع مكتب المقاطعة الذي تتهرب منه، وتحميلها مسئولية هذه الجريمة التي تحرم العرب من سلاح أكيد في حربهم ضد النازيين الجدد في الكيان الصهيوني إن الخطوة التي بدأت في القاهرة بإعلان الصيادلة المصريين مقاطعة منتجات شركة (ليلي) الأمريكية من الأدوية والمستحضرات الطبية ينبغي أن تمتد إلى كل الوطن العربي وأن تتسع لكل الشركات التي ترتكب ما ارتكبته الشركة الأمريكية التي خصصت جزءا من مواردها لدعم المستوطنات الإسرائيلية. ولا شك أنها خطوة جيدة، خاصة وأن إمكانيات نجاحها متوفرة.. سواء بالتزام الصيادلة في مصر بقرار نقابتهم، أو بتوافر الأدوية البديلة والتي أعلنت عنها النقابة وهي تتخذ قرارهاو المطلوب أن تمتد المقاطعة لكل الشركات الأمريكية التي تتعامل مع إسرائيل كخطوة أولى تدرك منها أمريكا أن إنحيازها لإسرائيل له ثمن، وتفهم منها الحكومات العربية أن الشعوب حين تقاطع الهامبورجر الأمريكي فإنها تضع أمام حكوماتها أسئلة عما هو أخطر. فهل يجوز أن ندفع المليارات دعما لصناعة السلاح الأمريكية بينما طائرات (الأباتشي) الامريكية تقصف معسكرات اللاجئين الفلسطينيين وتقتل الأطفال والمدنيين؟! وهل يجوز أن تظل الأموال العربية تدعم الخزانة الأمريكية وتملأ البنوك الأمريكية بينما واشنطن تصر على منع العالم من أن يوقف المذبحة ويوفر الحماية الدولية للفلسطينيين؟ و.. أليس للانحياز الأمريكي ضد المصالح العربية ثمن يجب أن تدفعه أمريكا من مصالحها؟! حربهم لم تنته كما يؤكد شارون.. فلماذا انتهت مقاومتنا؟! طيران الخليج وتعويضات المصريين تعليقا على ما نشر حول تعويضات الضحايا المصريين في حادث (طائرة الخليج) أكدت الشركة أنها لا تميز بين الجنسيات في صرف التعويضات، وأن المبالغ المقررة وبعد الإتفاق مع شركات التأمين العالمية هي 125 ألف دولار للكبار 75 ألفا لمن تقل أعمارهم عن 18 سنة. ووفقا لذلك ستصرف باقي المبالغ للذين سبق أن حصلوا على مبالغ أقل كدفعات مقدمة. التصريحات جاءت على لسان الرئيس التنفيذي للشركة الذي حضر للقاهرة لتوضيح الموقف، وهو أمر طيب يعكس الاهتمام بالعلاقات الأخوية بين البلدين، ولكنه لا يفسر قيام مكتب المحاماة الذي يمثل شركة التأمين على الطائرة بالضغط على أهالي الضحايا للحصول على توقيعهم على مخالصات نهائية مقابل التنازل عن كل الحقوق. المكتب المذكور يرأسه محام شهير كان شيوعيا بارزا ثم أصبح من كبار أنصار التطبيع مع إسرائيل وأحد مؤسسي جماعة السلام معها خروجا على إجماع الشعب المصري الذي واجه أعضاء الجماعة بالإدانة والاحتقار. ـ نائب رئيس تحرير أخبار اليوم المصرية