نعيش ونتحرك ضمن اطار ثقافة استهلاكية تتعاظم يوماً بعد يوم، هذه تهمة لا ندفعها، وحقيقة لا يمكن انكارها، لاننا جميعاً نعانيها ونعاني منها ومبتلون بخطاياها، وما يزيد الطين بلة ان يشترك في تغذية هذه النزعة الاستهلاكية، ويزيد وتيرتها ومعدلاتها، صحفيون ووسائل اعلام، وادباء وشعراء بعضهم امراء للاسف! ونجوم غناء في غير حاجة لشهرة ولكنهم على ما يبدو في حاجة لمزيد من الأموال ولو على حساب الاضرار بالآخرين. هؤلاء الشعراء والمطربون ووسائل الإعلام، لا ينظرون إلى سلبيات هذه النزعة، وانعكاساتها على بنية المجتمع واقتصاده، بقدر ما ينظرون إلى معدلات الربح، ومداخيل الاعلانات وارصدة البنوك، وإلا فما ضرورة خطوط الهواتف الدولية التي ابتدعتها بعض الشركات التي صارت تتكاثر في المجتمع موفرة عروضاً غاية في التفاهة مثل استمع إلى شعرائك المفضلين، وإلى آخر الاغاني الجديدة، وفسر احلامك وغير نغمة الموبايل و... الخ، وكأن شبابنا ومراهقينا ينقصهم فعلا المزيد من الأغاني واشعار الغرام ونغمات الموبايل؟!! والحقيقة ان لوثة هذه الشركات تحتاج إلى موقف حازم وجاد يضع مصلحة الأفراد والعائلات والمؤسسات في عين الاعتبار وذلك لوضع حد للاضرار التي تتسبب فيها هذه الشركات وخطوطها الدولية، فاتصال واحد لمدة 10 دقائق مثلاً يمكن ان يكلف الفرد 25 درهماً قد يراه مبلغاً تافهاً، ولكن اذا كرر الشخص نفسه وليكن موظفاً في شركة، أو مراهقاً ضمن عائلة متوسطة الدخل، اتصاله هذا 10 مرات في الاسبوع مثلاً وهذا يحدث بالفعل، فالنتيجة أن المبلغ سيصبح (250) درهما في الاسبوع! وعندما يتحول الأمر إلى ادمان، وتعوّد، ولعب مراهقين، وعبث موظفين في مكاتب وشركات، فإن الضرر سيكون باهظاً جداً، والفواتير ستحمل في نهاية الشهر مبالغ بآلاف الدراهم! فمن هو المسئول هنا؟ ومن الرابح ومن الخاسر؟ ولماذا الاستمرار أو ترك هذا العبث يستمر؟ وإلى متى؟ ومن أجل ماذا؟ أغاني تافهة وأشعار أتفه، ونغمات و... لقد بدأ الأمر بشركة، ثم صارت اثنتان فثلاث، واظن بأننا سنصحو كل صباح لنفاجأ بظهور شركة جديدة تقدم (خدماتها الجليلة) من اغان وأشعار ونغمات موبايل وكنز الاحلام وهاجس المليون دولار! سيختلف الاسم وسينتهي كل اسم منها بلفظ (كول) أو (فون) لكن الخداع واحد والدجل واحد، والصراع بين الشركات سينحصر في أيها تستطيع جذب عدد أكبر من (المتصلين) لتزيد أرباحها وملايينها، وساحات الجرائد تشهد هذا الصراع يومياً عن طريق الاعلانات الملونة والضخمة المليئة بأسماء شعراء ومطربين كبار ممن يتم استقطابهم واشراكهم في اللعبة من أجل مزيد من الأرباح. وفي سبيل اضفاء المزيد من القبول والتهافت ترصد هذه الشركات جوائز خيالية كمبلغ مليون دولار أو سيارات فاخرة مثلا، لكن هذه الجوائز لا شيء قياساً بعشرات الملايين التي تستلها هذه الشركات من جيوب المتصلين شهرياً، والتي يذهب جزء منها لهؤلاء الشعراء والمطربين المساهمين في لعبة الضحك على الناس بلا حياء أو خوف من ضمير أو دين أو قانون! وهنا نسأل بعد ان لفت نظرنا اعلان ضخم يحث على التعامل مع خدمات احدى هذه الشركات عن حكاية بعض الشعراء مع هذه الموضة؟ ان هذه الشركات وبتعاون أمثال هؤلاء الشعراء يمارسون سلوكاً يقود إلى الاستيلاء على أموال الناس بدون وجه حق، وبلا مردود حقيقي، وبشكل علني ودون رادع، والاضرار المترتبة على ذلك كثيرة، وبما أن (درء المفاسد قبل جلب المنافع) قاعدة فقهية شرعية ومعلومة، فان موقفا مسئولاً لايقاف هذه الشركات أو تقنين عملها أو فرض ضرائب عليها أو.. أصبح أمراً مطلوباً وملحاً من أجل ايقاف هذه المهازل التي تتستر بالتجارة تارة، وبالفن تارة وبالشعر تارة أخرى، بينما يضج الناس منها ويعانون يومياً، والحقيقة أنهم يدفعون شهرياً مقابل مكالمات هي والعبث سواء.