من يدقق في حياة النجوم والمشاهير ويقرأ عنهم ويتابع تفاصيل حياتهم يكتشف نقاطاً غائبة غالباً ما تكون مفصلا من مفاصل نجوميتهم وتفوقهم، وأحياناً انطفاء تلك النجومية الزائفة.. ولعل شعب الاتحاد السوفييتي سابقاً لم يعلم وعلى مدى الثلاثين عاماً التي قضاها ستالين في السلطة ان الرجل الذي اتصف بالعنف والقضاء على معارضيه بشتى أنواع القسوة والبطش كان يخاف ركوب الطائرة. واذا كانت حياة ستالين التي اكتنفها الغموض ولم يتسرب كثيراً عن حياته الخاصة والتي عاشها مغلقة وضرب حولها ايضا ستارا حديديا، الا ان مسألة ركوب الطائرة والخوف منها كانت معروفة للمقربين منه، ليس لأنه صرح بذلك لهم، بل لأنهم لاحظوا ان كل مؤتمر كان لزاماً على الرجل حضوره، وبالتالي ركوب الطائرة للوصول إليه كان يغيره في آخر لحظة ويتعلل بألف سبب وسبب، ويذهب إلى مكان المؤتمر الجديد راكباً القطار كما حدث في مؤتمر يالطا. ولعل الدوائر الغربية التي كانت حليفة للاتحاد السوفييتي ابان الحرب العالمية الثانية لم تكتشف هذه المعلومة عن ستالين الا في وقت متأخر جداً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. ومن الأسرار والخفايا الأخرى التي لم يعرفها الكثيرون الخوف الذي كان مسيطرا على ملك الرعب المخرج السينمائي الشهير الفرد هيتشكوك فهو يقول في مذكراته: ان كثيراً من الناس الذين قابلهم كانوا يسألونه: لا شك أنك مررت بتجارب عنيفة في حياتك، او ربما كنت تعمل في المباحث الجنائية كونك استطعت تصوير افلام رعب لم يتفوق غيرك وبنفس القوة والشهرة فيها كما فعلت. ويردف هيتشكوك بماذا تتوقعون أن أجيب؟ انني كنت ارد على هؤلاء بكل الصدق الذي يتملكني فأقول: انني جبان حتى العظم، وانني اخاف حتى من خيالي، وحين اخرجت ما أخرجت من أفلام رعب كنت مرعوباً، اذ ليس من طبعي الميل الى الاعمال العنيفة، ولكنني حين وجدت أن أول أفلامي لاقى رواجاً في هذا الاطار تابعت أفلام الرعب التي نجحت نجاحا باهراً فأدركت انه لا مبرر للخوف أبداً. ومن قال ان الصعوبات التي يتعرض لها البعض تقف في وجه الإرادة، فهو غير مصيب بالطبع، ولكن ماذا تظنون إذا حلّت المصيبة بطفل صغير هل يملك هذه الارادة؟ أم ان الغريزة وقوة النفس تنبتان مع الطفل حتى وهو رضيع كما يقال. ان يفقد طفل عيناً من عينيه، بحادثة مروعة أمر ليس بالسهل، ولم يكن أمراً سهلاً بالنسبة للممثل النجم بيتر فولك أو المفتش كولومبو كما عرف في مسلسله التلفزيوني الشهير.. لم يكن سهلاً على الطفل مواجهة الدنيا وهو طفل بعين واحدة، ذهب لأول مرة الى ملاعب البيسبول وراح يلعب بين الصغار، وبرع بشكل ملفت، ولم يدر أصحابه الصغار ان الولد الذي يتألق على حسابهم بعين واحدة، نسوا الأمر وأحبوه، أحبوا طريقة لعبه وصادقوه، فتخطى الطفل حاجز الخوف في مواجهة الناس ومرت السنوات، وأصبح الولد شابا ومراهقا، ولم يفكر حتى ذلك الحين في أن مستقبلاً تمثيلياً ينتظره، رغم ان المحيطين به لاحظوا في طريقة سلوكه ما ينم عن أن في حركة هذا الشاب دلائل تشير إلى أن له القدرة على فعل التمثيل، واتجه الى دراسة العلوم السياسية، وكتب إلى وكالة المخابرات المركزية الامريكية (سي. اي. ايه) طالبا الانتساب إلى صفوفها. وهنا ظهر الميل في طلبه إلى حبه للمغامرة ولعب دور التحري في حياته العادية والذي انقلب فيما بعد الى الشاشة الفضية، ولكن طلبه رفض لأسباب، فقد وجدت (سي. اي. ايه) ان الرجل قضى في فترة شبابه اجازة طويلة في يوغسلافيا الشيوعية، وانقلبت مخططات حياته ثانية، وفكر وهو صاحب موهبة مثيرة ان يطرق ابواب التمثيل. ماذا يجول في خاطر الرجل؟ عين واحدة في وقت تملأ الشاشة الفضية عيون رجال «دون جوانات» من امثال برت لانكستر وروبرت ميتشوم وكلارك جيبل الذي كان يمثل ضرورة وجود الممثل الوسيم في بطولة الافلام الا ان الرجل صاحب العين الواحدة لم يأبه لتلك الأسماء الوسيمة ففي العام 1958 وبعد ان انهى دراسته في معهد التمثيل جاء الى هوليوود وما لبث ان نال بعد عامين لقب أحسن ممثل في فيلم الجريمة. واتجهت الانظار الى صاحب العين الواحدة الذي برز فجأة في عالم الفن السابع، وتوالت العروض ليلعب أدوارا مختلفة ثم يحط به الرحال في العام 1971 على مسلسل كولومبو فأخذ يتقاضى 300 ألف دولار عن الحلقة الواحدة، ونجحت الحلقات جميعا، واستمر المسلسل الى العام 1977 ليتوقف بعدها لالتقاط الانفاس ومراجعة النفس، ومن ثم عاد ثانية الى المسلسل ذاته وهو ينظر إلى التمثيل بعينين مفتوحتين! من قال أيضاً ان الكبوة الأولى في حياة أي منّا تعني الفشل والسقوط، هذا الكلام يدحضه اللقاء الذي تم بين استاذ الجيل الموسيقار محمد عبدالوهاب والشاعر الكبير أحمد شوقي، فقد توسم أحمد شوقي في الفتى عبدالوهاب وبحس شاعري وغنائي كبيرين بأنه سيكون للفتى شأن في ميدان الطرب والغناء فأخذ يشجعه بل ويلقنه الشعر. وذات يوم جاءه الفتى عبدالوهاب باكياً، فسأله شوقي عن سبب بكائه، فقال له: انظر هذه الصحف التي أحملها إليك، انها جميعاً تهاجمني وتقول انني لا أصلح للغناء.. فتفحص شوقي وجه الفتى الباكي ورد عليه ضع هذه الصحف على الأرض وقف فوقها! استغرب الشاب قليل التجربة، إلا أنه وقف، عندها قال له شوقي.. انظر الى نفسك، ألم يرتفع طولك بقدر معين «دس على المغرضين ولا تلتفت إليهم وتوجه نحو فنك فقط واعمل فيه بحب واخلاص بذلك يرتفع شأنك»، وعمل الفتى بما قال له معلمه، وكان عبدالوهاب.