ترتكز احلام الصهيونية على عاملين رئيسيين يدعمان استمرارها واستمرار كيانها وهذان العاملان يشكلان بالنسبة لها افقا استراتيجيا لتطوير الدولة والنهوض باتجاه الأسس الاخرى للسيطرة، حيث تنظر الصهيونية الى الحامل الجغرافي والحامل البشري على انهما متلازمة مركزية للتخطيط المستقبلي وعلى جميع مستوياته لتشكيل ديمغرافيا قادرة على البقاء كونها تعيش كجسم غريب عن محيطها، ومن هنا انطلقت نحو ترسيخ وجودها على الارض الفلسطينية بالمصادرة لهذه الارض وتوسيع الاستيطان اضافة الى جلب اعداد كبيرة من يهود العالم الى قلب فلسطين كي تستطيع ان تتحدى ديموغرافيا وتحافظ على بقائها متمثلة فكرة رئيس حكومتها الاول دافيد بن جوريون الذي ارتأى بقاء الدولة بمصادرة الاراضي من جهة وتشجيع الهجرة التي عبر عنها بقوله: «هي الدم الاساسي الذي يتغذى به الجسم الاسرائيلي والكيان الاسرائيلي فان توقف دب الضعف فيه». وهذان الشكلان سعت اليهما اسرائيل ومازالت عبر حكوماتها المتعاقبة ولكن يبدو الآن ان التحدي الديمغرافي الاسرائيلي يمر بمرحلة حرجة امام معطيات كثيرة تشير الى تراجع واضح في الهجرة من جهة وعدم الايمان بالدولة العبرية من جهة اخرى خاصة في الانتفاضة التي لعبت دورا مهما وكبيرا في تغيير آراء الكثيرين من اليهود انفسهم حول الهجرة سواء داخل الكيان الصهيوني اي استمرارية التواجد او خارج هذا الكيان ممن فكروا بالهجرة اليه. قلق الصهيونية اشكاليات الاثبات الديمغرافي الصهيوني تبدو اليوم عالقة بين تفكيرها العنصري الاساسي وبين الواقع ففي التفكير نجد ان جميع الحوامل الموروثة سواء اكانت دينية او دنيوية سياسية تندرج على تشجيع الهجرة الى ذلك الكيان وبالمقابل فاغتصاب الارض الفلسطينية سيكون نتيجة لذلك التفكير خاصة ان الفكر الديني الذي ترتكز عليه الصهيونية هو فكر عنصري يعتبر خرافته واقعا ويؤكد مقولة «شعب الله المختار» اضافة الى الاحلام الحدودية الجغرافية ويمكن قراءة هذا الفكر من خلال سفر الخروج حيث يقول: «لا تطردهم من وجهك في سنة واحدة كيلا تصير الارض قفرا فتكثر عليك وحوش الصحراء.. لكن اطردهم قليلا قليلا من امامك الى ان تنمي فترث الارض.. واجعل تخمك من بحر القلزم الى بحر فلسطين ومن البرية الى النهر فاني اسلم الى ايديكم سكان الارض فتطردهم من امام وجهك». وهذا الجزء الديني وارتباطه بالسياسة الصهيونية يدلل على الهم الديمغرافي بالنسبة لاسرائيل فنجد ان الحركة الصهيونية تعاني اليوم من مشكلة الوجود اليهودي عالميا كما تعاني منها داخليا. وقد ابدى المؤتمر اليهودي العالمي هذا القلق حينما اعلن انه «اذا استمرت معدلات الاندماج بين يهود العالم على ماهو عليه فانه خلال ثلاثين سنة سيقل عدد اليهود في العالم الى النصف تقريبا ويعتبر الاندماج مشكلة كبيرة تبدي الاوساط اليهودية قلقها اتجاهه واشكال الاندماج عند اليهود متنوعة يمكن قراءتها من خلال التعداد العام لليهود الذي يقدر بحوالي 13 مليون يهودي في العالم وهم يتناقصون باستمرار نتيجة الزواج من غير اليهود خاصة خارج حدود الكيان الصهيوني اضافة الى ان جزءا كبيرا منهم قد نسي تماما انتماءه الديني وهذا ما نلاحظه بشكل خاص في اوروبا والولايات المتحدة وحتى في الاتحاد السوفييتي السابق اضافة الى معدل الخصوبة المنخفض عند اليهود. لذلك ترى الاوساط الصهيونية ان الحل المناسب ديمغرافيا هو التواجد في فلسطين وتكثيف الهجرة اليها خاصة في ظل الانتفاضة التي اوجدت حالة جديدة في الاوساط اليهودية تبرز من خلال تخوف يهود العالم من القدوم الى اسرائيل وانخراط اولئك اليهود في مواجهة الانتفاضة ويعبرون عن ذلك بانهم لايريدون تعريض ارواحهم للخطر وهم يعيشون خارج اسرائيل بأمان واستقرار اقتصادي. هجرة معاكسة تسعى اسرائيل اليوم الى تشجيع الهجرة اليهودية وبكل الوسائل كي تحافظ على التوازن الديمغرافي المتفوق في الدولة العبرية ففي المؤتمر الذي نظمه «المركز المتعدد المجالات» نرى القلق الواضح من التهديد الديمغرافي من قبل السكان الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة او فلسطيني 1948 ولنرى الواقع بالارقام فقد اعلنت الجامعة العبرية ان 5.2 ملايين يهودي يقيمون في داخل الكيان الصهيوني وبقية الاراضي الفلسطينية اي ما يعادل 38% من يهود العالم ويشكل الفلسطنيون في اراضي 1948 حوالي 19.5% منهم لذلك قدر عدد اليهود في احصائية اخرى بحوالي 4.780 ملايين يهودي ولنرى انه في شمال القارة الامريكية هناك حوالى 6.62 ملايين يهودي. وهذا الواقع دفع الحكومة الاسرائيلية للتفكير بشكل جدي في جلب عدد كبير من اليهود الى داخل الكيان الصهيوني وهناك خطة لشارون بجلب مليون مهاجر جديد وهو يقول «ينبغي ان يشكل ذلك اولوية مطلقة بالنسبة للحكومة الاسرائيلية كلها» ونرى ان شارون يريد جلب المهاجرين من الدول الفقيرة كي يشجعهم على القدوم لاسرائيل لانه يعرف تماما ان اليهود في الدول الغنية لايفكرون مطلقا بالهجرة الى اسرائيل حين اكد ان عددا كبيرا منهم يعيش في ضائقة مادية ويجب ان يغادروا من الدول التي يقيمون بها، لذلك حدد المليون يهودي واماكن تواجدهم حيث يرى ان نصفهم من امريكا اللاتينية منهم 120 ألفا في البرازيل و50 ألفا في المكسيك وغيرهم في فنزويلا وباقي دول امريكا اللاتينية وكذلك 80 ألفا في جنوب افريقيا ومئات الآلاف في اوكرانيا وباقي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق علما ان فرنسا فيها 700 ألف يهودي. والسؤال المطروح الآن لماذا يريد شارون ذلك ولماذا تريد معظم الاوساط الاسرائيلية تشجيع هجرة هؤلاء اليهود وبسرعة فائقة؟! الواقع ان هناك ثلاث قضايا مقلقة بل تشكل هاجسا مريرا بالنسبة لاسرائيل اولها تأثير الانتفاضة في هذه المرحلة على الهجرة اليهودية حيث تناقلت بعض الاخبار بان الحكومة الاسرائيلية تمنع الهجرة المعاكسة اي من اسرائيل الى خارجها وهذا المنع يأتي بطريقتي الترغيب والترهيب حتى انها اضطرت لمصادرة وثائق السفر كي تمنع بعض اليهود من الهجرة، وتأثير الانتفاضة هنا يتداخل مع مجمل الشئون الخاصة بالعدو الصهيوني من اقتصادية واجتماعية وامنية ويمكن قراءة هذا المشهد من خلال الانتفاضة الاولى وانخفاض نسبة الهجرة الى اسرائيل التي عادت وارتفعت بعد اتفاق اوسلو. اما الآن فان ظروف الكيان الصهيوني داخليا تجعله يفكر بشكل جدي في انهياره الديمغرافي فقد كانت حالة الهجرة الخارجية مريرة بالنسبة لاسرائيل ونستطيع ان ندرك ذلك من خلال احصائية سابقة لصحيفة «هاآرتس» الاسرائيلية. وللاشارة فان هذه الاحصائية نشرت قبل عامين وبالطبع ففي ظل الانتفاضة ستزيد هذه النسب زيادة معاكسة لتفكير الحكومة الاسرائيلية حيث تستنتج هذه الاحصائية ان 30% يفضلون العيش خارج اسرائيل من اليهود وتزيد هذه النسبة عند الشباب والمعلمين فقد بلغت 43.9% عند الشباب بين سن الثامنة عشرة والتاسعة والعشرين بمعنى آخر ان اسرائيل اذا سمحت بالهجرة من كيانها فلن يبقى سوى القليل من الشباب حيث ان سن فوق الخمسين يفضل العيش في اسرائيل وقد بلغت نسبتهم 83.8% وهذا مؤشر على اضطراب البنية الاجتماعية في اسرائيل اضف الى ذلك فان المليون المهاجر الروسي اليهودي الذين دخلوا اسرائيل لم يدخلوا محبة في العيش فيها بل هربا من الفقر في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وحتى الاوساط الاسرائيلية خاصة الدينية لاتعترف بيهودية نصفهم، والكثير من هؤلاء سعوا الى الحصول على الجنسية الاسرائيلية كي تسهل تنقلاتهم داخل اوروبا الغربية والولايات المتحدة. لذلك فان هذين السببين أي الانتفاضة والهجرة لخارج اسرائيل يعتبران سببا رئيسيا في تزايد نسبة من يفكر بالهجرة من الكيان الصهيوني الذي يشعر بأن هذا النوع من الهجرة المعاكسة سيزيد من تلاشي اليهود في العالم وهذا ما عبر عنه يوسي بلين احد زعماء حزب العمل بقوله: «انني اشعر بنوع من الهستيريا والخوف ازاء تلاشي الشعب اليهودي خارج دولة اسرائيل». تهديد فلسطيني ان سببا رئيسيا اضافة الى الانتفاضة يعتبر مصدر قلق شديد بالنسبة لاحلام الصهيونية الديمغرافية ومصدر هذا القلق هو ما عبر عنه المؤتمر الذي نظمه «المركز المتعدد المجالات» في اسرائيل حيث يرى ان نسبة الولادة في اوساط المسلمين في اراضي 1948 بلغت (4.6) اطفال لكل امرأة وهي نسبة تقارب الضعف لدى النساء اليهوديات التي بلغت (2.6) واصبحت النسبة تعادل فلسطيني مسلم مقابل خمسة يهود وخلال عشرين عاما اذا ما استمر الوضع على ماهو عليه فستبلغ واحدا الى ثلاثة. اما في اراضي السلطة الفلسطينية فقد بلغ معدل التكاثر السكاني في غزة (4.4) وهو المعدل الاعلى عالميا، وفي القدس ورغم الحصار الذي تفرضه اسرائيل ومحاولاتها الجاهدة تذويب الهوية العربية فقد ارتفعت نسبة العرب في القدس من 28% الى 33% وهذا كله جعل رئيس شعبة المخابرات الاسرائيلية السابق شلومو عازيت يدعو الى نظام طواريء غير ديمقراطي ويطالب الحكومة الاسرائيلية بتطبيقه وهو يقول: «ان الخطر الديمغرافي هو اشد الاخطار على اسرائيل اليوم، واذا لم تتخذ الخطوات المناسبة فورا فانه خلال جيلين على الاكثر ستكف اسرائيل عن كونها دولة يهودية وصهيونية» ونظام الطواريء هذا يتلخص في اجبار الفلسطينيين على عدم التكاثر!! ويقدم مقترحات كثيرة منها تشجيع العائلات الفلسطينية على طفل وطفلين على الاكثر والغاء المعونات عن العائلات الكبيرة وتوزيع العائلات اليهودية على المناطق المقلقة لاسرائيل كالجليل ومرج بن عامر والنقب لمنع التواصل الجغرافي بين العرب اضافة الى منح العرب في اسرائيل حق اختيار الجنسية الفلسطينية والاسرائيلية والمعروف ان عرب 1948 يحملون الجنسية الاسرائيلية وهم الذين لايزالون داخل فلسطين 1948. وبالطبع لاتخلو التوصيات من مصادرة الاراضي وتبادل كتل استيطانية بين اسرائيل والدولة الفلسطينية مستقبلا وحتى اتباع سياسة «الترانسفير» وهي سياسة تقوم على التهجير العسكري، ويمكن لنا وضمن هذه المعطيات ان نرى بوضوح حالة القلق وعدم الاستقرار التي يعيشها الكيان الصهيوني بل هي حالة فزع حقيقي ازداد خلال الانتفاضة حيث استطاعت ثورة الحجارة ان تثبت فعلها الواقعي والحقيقي وفعل نضالها الذي سيؤدي استمراره الى خلق حالات جديدة تضاف الى هذه الحالة مما سيجعل الكيان الصهيوني يقبل بالشروط العربية عامة والفلسطينية بشكل خاص لان الانتفاضة لم تؤثر فقط على احلام اسرائيل الديمغرافية بل تجاوزت ذلك لتؤثر على بنية الكيان الصهيوني الاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية منها كون بنية الكيان الصهيوني الاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية منها كون الثقافة الاسرائيلية ترتبط بالمفهوم الديني الذي اخذ بالتنحي جانبا امام المصلحة الشخصية. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق