هل تتوافر اي فرصة لعودة النظام الديمقراطي التعددي في الجزائر الشقيقة ـ ذلك النظام الذي اجهض في مطلع عام 1992 قبل ان يولد؟ وربما تكون صيغة التساؤل ادق اذا قلنا: هل تسمح القوى الدولية الغربية المستفيدة من الوضع الراهن بزوال سلطة الجنرالات؟ قبل بضعة ايام تقدم احد اكبر احزاب المعارضة الجزائرية «جبهة القوى الاشتراكية» بزعامة حسين آيت احمد، بمذكرة الى السلطة العليا الحاكمة «تهدف الى الخروج من الازمة»، على حد قول المذكرة، وتتضمن مقترحات بتدابير واجراءات محددة لاستعادة الوضع الديمقراطي بصورة سليمة عبر مرحلة انتقالية. ونظريا يمكن القول ان المذكرة تنطوي على مشروع يجب ان يحظى بتأييد القوى السياسية كافة على صعيدي السلطة والمعارضة، اما من الناحية العملية فإن قوى خارجية غربية قد يكون لها موقف آخر ربما تستقوي به المؤسسة العسكرية. ولكن ما هي أولا، اقتراحات «جبهة القوى الاشتراكية» ذلك التنظيم المنطلق من اقليم «القبائل» لكنه يطرح نفسه على المستوى القومي؟ ترى «الجبهة» ان تكون المرحلة الانتقالية المقترحة تحت اشراف لجنة يطلق عليها «المعاهدة الوطنية لمتابعة ومراقبة الفترة الانتقالية» التي يجب ان تنبثق عن حوار سياسي بين السلطة والقوى السياسية، وتفضي المرحلة الانتقالية الى انتخابات عامة لانتخاب مجلس تأسيسي تكون مهمته تقرير النظام السياسي المستقبلي للجزائر أو «اعادة حق تقرير المصير للشعب الجزائري» وفقا لنص المذكرة. كيف يتم تسيير الامور خلال الفترة الانتقالية؟ ان اللجنة القومية التي تقترحها المذكرة للاشراف على الفترة الانتقالية تبدو وكأنها برلمان انتقالي، فهي تصادق على تعيين مجلس الوزراء ووضع النظام الانتخابي للمجلس التأسيسي «الذي يقرر المصير» وتحديد مواعيد انتخابه. على ان في انشاء هذه اللجنة القومية الغاء لمنصب رئيس الجمهورية واهم من ذلك تقترح المذكرة ان يكون الجيش «شريكا مهما» في الفترة الانتقالية على ان «يشكل ضمانا لتطبيق القرارات المتخذة». ان من المفترض ان ترضي هذه التدابير المقترحة جميع القوى السياسية الجزائرية، علمانية واسلامية، يمينية ويسارية.. لكنها قطعا لن تجد ترحيبا من المؤسسات المالية الغربية، خاصة الامريكية. ان الجزائر ترزح تحت مديونية خارجية لصالح هذه المؤسسات تستنزف نحو 90 في المئة من دخل البلاد السنوي من صادرات النفط والغاز على سبيل الاستمرار في سداد هذه الديون. وتستغل هذه المؤسسات العسر المالي للجزائر الناتج عن مواصلة السداد لتستولي على مؤسسات اقتصادية جزائرية باسم «برنامج الخصخصة». ازاء هذا الوضع فإن من الصعب تصور ان الحكومات الغربية، خاصة حكومة الولايات المتحدة، سوف تؤيد احلال النظام الراهن بوضع ديمقراطي تعددي سوف يتيح الوصول الى السلطة بصورة كاملة او بالمشاركة، لقوى سياسية مثل «جبهة الانقاذ الاسلامي» مصنف لدى الغرب بأنها قوى معادية. ماذا يحدث اذن؟ اغلب الظن ان السلطة سوف ترفض المشروع المطروح حتى لو تظاهرت بقبوله، لكن بازاء هذا الرفض ربما يتبلور تحالف سياسي جديد على صعيد المعارضة يجمع بين الاحزاب العلمانية الكبيرة و«جبهة الانقاذ الاسلامي». وحينئذ سوف ينشأ ظرف جديد من الصعب التنبؤ بتداعياته في هذا الوقت المبكر.