كانت زيارته بلا موعد.. كأنه البرق.. كأنه الرعد.. كأنه الرعب.. لم يكن يحتاج إلى تأشيرة دخول.. كان يتسلل تحت الجلد.. ويسبح مع شرايين الدم.. ويخرج من بؤرة العين.. حتى تحول الى اسطورة.. وتساءل الناس: هل حقا يعيش هذا الرجل بيننا؟.. وذات صباح نشرت الصحف خبر وفاته.. وتأكد الناس انه حقيقة لا خرافة.. وبقدر ماكان الحزن.. بقدر ماكان العشق.. الأساطير تولد كبيرة.. وتموت مبكرة. في صباح يوم 13 يوليو 1956 نشرت صحيفة (الأهرام) خبرا عابرا.. مقتضيا يقول: (قتل العقيد) مصطفى حافظ (نتيجة ارتطام سيارته بلغم في قطاع (غزة) وقد نقل جثمانه إلى (العريش) ومن هناك نقل جوا الى (القاهرة) على الفور) ولم ينس الخبر أن يذكر أنه (كان من أبطال حرب فلسطين وقاتل من أجل تحريرها).. لكنه تجاهل تماما انه كان (أول رجل يزرع الرعب في اسرائيل). وقبل أن يستنشق الناس التفاصيل.. وقبل أن يشبعوا من الاسطورة جاء خبر كالصاعقة التهم كل ماعداه من أخبار.. جاء خبر تأميم قناة السويس.. وضاعت اسطورة (مصطفى حافظ) ولم تجد منذ ذلك الوقت من يخرجها من ركام وحطام التاريخ.. وينظف عنها التراب والإهمال. وقد سمعت عنه كثيرا.. وفتشت عنه كثيرا.. لكن لم أجد مصدرا عربيا واحدا يكشف لنا شيئا عنه.. كل ماهو على قيد الواقع ميدانا باسمه في (الاسكندرية).. المدينة التي ولد فيها وجاء منها.. وأغلب الظن أن غالبية الذين يسكنون الميدان لا يعرفون حقيقة صاحبه.. ولا يعرفون حقيقة مافعل.. انه بالنسبة لهم مجرد (عنوان بريدي).. وأقيم له ايضا نصبا تذكاريا في (غزة) تبارى الاسرائيليون في تحطيمه عندما احتلوها بعد هزيمة (يونيو) 1967 وعندما احتل الاسرائيليون (غزة) عثروا كذلك على تقرير اللجنة التي شكلها (جمال عبدالناصر) للتحقيق في مصرعه ضمن الوثائق التي عثروا عليها. العثور على الكنز في الأسبوع الماضي كنت في العاصمة الأردنية (عمان) في رحلة خاطفة أتاحت لي مقابلة الملك (عبدالله) الثاني مرتين خلال خمسة أيام.. وعندما أكون في (عمان) فإنني يجب أن أقوم بزيارة لدار (الجليل) وهي دار نشر متخصصة في الدراسات والأبحاث الفلسطينية وتهتم أكثر من غيرها بترجمة كتب العدو الصهيوني وتتابعه كظله.. وبينما كنت أشرب القهوة العربية المرة أنا وصاحب الدار (غازي السعدي) انتبهت لكتاب يحمل عنوان (ثلاثون قضية استخبارية وأمنية في اسرائيل) كتبه (يوسف أرجمان) كان أول فصل فيه عن (تصفية مصطفى حافظ).. وشعرت وكأنني عثرت على كنز (علي بابا).. فأخيرا سأقرأ شيئا مكتوبا عن (مصطفى حافظ).. ولكن ذلك لم يخل من حزن كشفته ملامحي بسهولة.. فهي مأساة أن أقرأ عن رجل حارب اسرائيل بضراوة حتى الاستشهاد في كتاب اسرائيلي.. مأساة ألا أقرأ عنه في كتاب عربي.. مأساة أن نعرف تاريخنا من المصادر الاسرائيلية والوثائق الأمريكية والبريطانية.. لكن.. ما باليد حيلة. كان (مصطفى حافظ) مسئولا في تلك الأيام عن تدريب الفدائيين وارسالهم داخل اسرائيل كما انه كان مسئولا عن تجنيد العملاء لمعرفة مايجري بين صفوف العدو ووراء خطوطه.. فقد كان (مصطفى حافظ) باعتراف الاسرائيليين (من أفضل العقول المصرية).. وهو ماجعله يحظى بثقة (جمال عبدالناصر) فمنحه أكثر من رتبة استثنائية حتى أصبح عميدا وعمره لا يزيد على 34 سنة.. كما انه اصبح الرجل القوي في (غزة) التي كانت تابعة للإدارة المصرية بعد تقسيم (فلسطين) في عام 1947. ولم يستطع رجل واحد في كافة أجهزة المخابرات الاسرائيلية أن يلتقط له صورة ولو من بعيد.. لكن.. رغم ذلك سجل الإسرائيليون في تحقيقاتهم مع الفدائيين الذين قبضوا عليهم انه رجل لطيف.. يثير الاهتمام والاحترام.. و(مخيف في مظهره وشخصيته).. وكانت هناك روايات أسطورية عن هروبه الجريء من معتقل أسرى اسرائيلي اثناء حرب 1948 وقد عين في منصبه في عام 1949 وكانت مهمته (ادارة كافة عمليات التجسس داخل اسرائيل والاستخبارات المضادة داخل قطاع (غزة) والاشراف على السكان الفلسطينيين).. وفي عام 1955 أصبح مسئولا عن كتيبة الفدائيين في مواجهة (الوحدة رقم 101) التي شكلها في تلك الأيام (ايريل شارون) للاغارة على القرى الفلسطينية والانتقام من عمليات الفدائيين ورفع معنويات السكان والجنود الإسرائيليين.. وقد فشل (شارون) في النيل منه ومن رجاله.. وهو ماجعل مسئولية التخلص منه تنتقل الى المخابرات الاسرائيلية بكافة فروعها وتخصصاتها السرية والعسكرية. كان هناك خمسة رجال هم عتاة المخابرات الاسرائيلية عليهم التخلص من (مصطفى حافظ).. على رأسهم (ر) الذي كون شبكة التجسس في مصر المعروفة بشبكة (لافون) والتي قبض عليها في عام 1954 وكانت السبب المباشر وراء الاسراع بتكوين جهاز (المخابرات العامة) في مصر.. وكان الى جانب (ر) ضابط مخابرات اسرائيلي ثان يسمى (أبو نيسان).. وأضيف لهما (أبوسليم) و(اساف) و(أهارون) وهم رغم هذه الأسماء الحركية من أكثر ضباط (الموساد) خبرة بالعرب وبطباعهم وعاداتهم وردود أفعالهم السياسية والنفسية. ويعترف هؤلاء الضباط الخمسة بأنهم كانوا يعانون من توبيخ رئيس الوزراء (ديفيد بن جوريون) أول رئيس حكومة في اسرائيل والرجل القوي في تاريخها.. وكانت قيادة الأركان التي وضعت تحت سيطرة (موشى ديان) أشهر وزراء الدفاع في إسرائيل فيما بعد في حالة من التوتر الشديد.. وكان من السهل على حد قول ضباط المخابرات الخمسة التحدث إلى يهوه في السماء عن التحدث مع (موشى ديان) خاصة عندما يكون الحديث عن براعة (مصطفى حافظ في تنفيذ عملياته داخل اسرائيل ورجوع رجاله سالمين الى غزة وقد خلفوا وراءهم فزعا ورعبا ورغبة متزايدة في الهجرة منها). كان الحل الوحيد أمام الأجهزة الاسرائيلية هو التخلص من (مصطفى حافظ) مهما كان الثمن.. وقد رصد للعملية مليون دولار.. وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمن.. فشبكة (لافون) على سبيل المثال لم تتكلف أكثر من 10 آلاف دولار.. وعملية اغتيال المبعوث الدولي الى فلسطين (اللورد) برنادوت في شوارع القدس لم تتكلف أكثر من 300 دولار. كانت خطة الاغتيال هي تصفية (مصطفى حافظ) بعبوة ناسفة تصل اليه بصورة أو بأخرى لقداستبعدوا طريقة اطلاق الرصاص عليه.. واستبعدوا عملية (كوماندوز) تقليدية.. فقد فشلت مثل هذه الطرق في حالات أخرى من قبل.. وأصبح السؤال: كيف يمكن ارسال ذلك (الشئ) الذي سيقتله اليه؟.. وفي البداية فكروا في ارسال طرد بريدي من (غزة).. لكن هذه الفكرة أسقطت.. إذ لم يكن من المعقول أن يرسل طرد بريدي من (غزة) الى (غزة).. واستبعدت ايضا فكرة ارسال سلة فواكه كهدية.. إذ ربما ذاقها شخص آخر قبل (مصطفى حافظ).. وأخيرا وبعد استبعاد عدة أفكار أخرى بقيت فكرة واحدة واضحة هي: يجب أن يكون (الشئ) المرسل مثيرا جدا للفضول.. ومهما جدا لـ (مصطفى حافظ) كي يجعله يتعامل معه شخصيا.. (شئ) يدخل ويصل اليه مخترقا طوق الحماية الصارمة الذي ينسجه حول نفسه). اثارة الفضول طرأ تقدم كبير وهام في الخطة بعد طرح فكرة نقل هذا (الشيء) الى مصطفى حافظ بواسطة عميل مزدوج.. وهو عميل موجود بالفعل ويعمل مع الطرفين.. انه رجل بدوي في الخامسة والعشرين من عمره يصفه (أبونيسان) بأنه (نموذج للخداع والمكر).. كان هذا الرجل يدعى (طلالقة).. لم يكن يعرف على حد قول ضابط (الموساد) أن مستخدميه من الإسرائيليين يعرفون أنه عميل للمصريين. بعد أن استقر الأمر على إرسال (الشئ) الذي سيقتل (مصطفى حافظ) بواسطة (طلالقة) بدأ التفكير في مضمون هذا الشئ.. واستقر الرأى على أن يكون طردا بريديا يبدو وكأنه يحتوي على (شئ مهم) وهو في الحقيقة يحتوي على عبوة ناسفة.. ولم يرسل الطرد باسم (مصطفى حافظ) وانما أرسل باسم شخصية سياسية معروفة في (غزة) وهو بالقطع ماسيثير (طلالقة) فيأخذه على الفور إلى (مصطفى حافظ) الذي لن يتردد فضوله في كشف مافيه لمعرفة علاقة هذه الشخصية (الغزاوية) بالإسرائيليين.. وفي هذه اللحظة يحدث مايخطط له الإسرائيليون.. وينفجر الطرد في الهدف المحدد. اختير قائد شرطة (غزة) وكان (لطفي العكاوي) ليكون الشخصية المثيرة للفضول التي سيرسل الطرد باسمها.. وحتى تحبك الخطة أكثر كان على الإسرائيليين أن يسربوا الى (طلالقة) إن (لطفي العكاوي) يعمل معهم بواسطة جهاز اتصال يعمل بالشيفرة.. ولأسباب أمنية ستتغير الشيفرة.. أما الشيفرة الجديدة فهي موجودة في الكتاب الموجود في الطرد المرسل اليه والذي سيحمله (طلالقة) بنفسه. أشرف على تجهيز الطرد عضو (كيبوتس) في المنطقة الوسطى أول حرف من اسمه (ج) وقد اكتسب شهرة كبيرة في اعداد الطرود الملغومة.. وكان ينتمي إلى منظمة ارهابية تسمى (أيستيل) كانت هي ومنظمة ارهابية أخرى اسمها (ليحي) تتخصصان في إرسال الطرود الملغومة إلى ضباط الجيش البريطاني أثناء احتلاله (فلسطين) لطردهم بعيدا عنها. بعد أن أصبح الطرد جاهزا وقرار العملية مصدق عليه لم يبق سوى التنفيذ.. لقد نقل الطرد إلى القاعدة الجنوبية في (بئر سبع) وأصبح مسئولية رئيس القاعدة (أبونيسان) الذي يقول: (طيلة اليوم عندما كنا جالسين مع (طلالقة) حاولنا اقناعه بأننا محتارون في أمره.. قلنا أن لدنيا مهمة بالغة الأهمية لكننا غير واثقين ومتأكدين من قدرته على القيام بها.. وهكذا شعرنا بأن الرجل مستفز تماما.. عندئذ قلنا له: حسنا رغم كل شئ قررنا تكليفك بهذه المهمة.. اسمع.. يوجد رجل مهم جدا في قطاع (غزة) هو عميل لنا.. هاهو (الكارت) الشخصي الخاص به.. وها هو (نصف جنيه مصري) علامة الاطمئنان الينا والى كل من نرسله اليه والنصف الآخر معه.. أما العبارة التي نتعامل بها معه فهي عبارة: (أخوك يسلم عليك). عود كبريت ويستطرد ضابط المخابرات الاسرائيلي: (كنا نواجه مشكلة نفسية.. كيف نمنع طلالقة من فتح الطرد قبل أن يصل الى الهدف؟ وللتغلب على هذه المشكلة أرسلنا أحد الضباط الى (بئر سبع) لشراء كتاب مشابه.. أدخله على (طلالقة) قائلا: (هذا هو الكتاب الشيفرة.. يحق لك تفقده ومشاهدته).. وبعد أن شاهده أخذه منه وخرج من الغرفة وعاد وبيده الكتاب الملغوم وسلمه له.. لكن (طلالقة) لعب اللعبة بكل برود على الرغم من بريق عينيه عندما تساءل: ولكن كيف ستعرفون أن الكتاب وصل؟.. وسمع الرجل: ستأتينا الرياح بالنبأ). فهم (طلالقة) من ذلك أنه عندما يبدأ (لطفي العكاوي) بالارسال حسب الشيفرة الجديدة سيعرف الاسرائيليون انه نفذ المهمة وعندما حل الظلام خرج أحد رجال المخابرات الاسرائيلية المسئولين عن العملية ومعه (طلالقة) وركب سيارة (جيب) ليوصله الى أقرب نقطة على الحدود.. وهناك ودعه.. واختفى (طلالقة) في الظلام.. لكن كان هناك من يتبعه ويعرف انه يأخذ طريقه إلى غزة. وحسب ماجاء في تقرير لجنة التحقيق المصرية فإنه في 11 يوليو عام 1956 في ساعات المساء الأخيرة جلس (مصطفى حافظ) على كرسي في حديقة قيادته في (غزة) وكان قد عاد قبل يومين فقط من (القاهرة).. كان يتحدث مع أحد رجاله والى جانبه الرائد (فتحي محمود) و(عمر الهريدي) وفي نفس الوقت وصل اليهم (طلالقة) الذي سبق أن نفذ ست مهام مطلوبة منه في اسرائيل.. وقابله (مصطفى حافظ) وراح يروى له ماعرف عن (العكاوي).. وهو ما أزعج (مصطفى حافظ) الذي كان يدافع كثيرا عن (العكاوي) الذي اتهم أكثر من مرة بالاتجار في (الحشيش).. لكن هذه المرة يملك الدليل على ادانته بماهو أصعب من (الحشيش).. التخابر مع اسرائيل.. وقرر (مصطفى حافظ) أن يفتح الطرد ثم يغلقه من جديد ويرسله إلى (العكاوي).. أزال الغلاف دفعة واحدة.. عندئذ سقطت على الأرض قصاصة ورق.. انحنى لإلتقاطها.. وفي هذه الثانية وقع الانفجار.. ودخل الرائد (فتحي محمود) مع جنود الحراسة ليجدوا ثلاثة أشخاص مصابين بجروح بالغة ونقلوا فورا الى مستشفى (تل الزهرة) في (غزة). وفي تمام الساعة الخامسة صباحا توفى (مصطفى حافظ) متأثرا بجراحه.. وبقى الرائد (عمر الهريدي) معاقا بقية حياته.. بينما فقد (طلالقة) بصره.. وأعتقل (العكاوي) لكن لم يعثروا في بيته على مايدينه. ويصر الإسرائيليون على أنهم لم ينفذوا مثل هذه العملية بعد ذلك أبدا.. وبقيت أسرارها مكتومة هنا وهناك.. إلى أن كشفها الكتاب الإسرائيلي الأخير.. والذي لا نعرف هل ماذكره حقيقة أم خيال.. وأتصور أننا لن نعرف.. فنحن لا نقرأ تاريخنا من مصادرنا القومية.. بل من مصادر العدو العبرية.. ومهما كان فإن نصف المعرفة أفضل من الجهل التام.. وعود كبريت واحد أفضل من الظلام الدامس.