هجمت موجة الحر على الناس هجوم التتار.. فتعرض الشارع لموجة جفاف كبيرة حيث لا زبائن ولا متسكعين ولا حسناوات يجلسن على مقاهي الرصيف. وهجوم الحر أيقظ الحنين للسفر، فسارع الناس الى مكاتب السفريات لحجز اماكنهم قبلما تهجم موجة الحر ثانية فتبيد أحلام الحركة عن بكرة أبيها. وقد بات مألوفاً ان تجد جموعاً من الأسر العربية تغزو الأسواق الشعبية غزواً كاسحاً يبدأ من الأقمشة والألبسة وينتهي عند الأجهزة الكهربائية مروراً بالنظارات والقبعات الملونة وألعاب الاطفال والاكسسوارات الاخرى التي تبرق وتلمع وتحول فرحة السفر الى بهجة الهدايا المعبرة عن الحب والشوق. كما بات مألوفاً أن تجد بائعاً هندياً يقول لزبونة: «مشان أنت ماما.. هذا في عشرة درهم»، وجملة مشان انت ماما يستخدمها الجميع لترغيب الناس في الشراء، لأن جميع البائعين لديهم فهم واحد للزبون ويعرفون من يشتري ومن لا يشتري، ومن يساوم حباً بالكركرة فقط. ولكن عندما تكون ماما واحدة من المحنكات بالأسواق ستقول له: لا لا.. هذا في ثلاثة درهم بس، وعندها سيكون الحوار كالتالي: ـ «ماما هذا في واجد زين.. خلي سبعة درهم. ـ لا هذا رخيص ثلاثة درهم كافي. ـ اخر كلام ماما.. شل ستة درهم. ـ لا ما في فايدة ثلاثة درهم بس. ـ ماما انت ليش في كركر زيادة هذا سمان نمبر ون، مشان انت خلي خمسة درهم. ـ انا يقول ثلاثة درهم.. لكن انت نفر مسكين خلي واحد درهم زيادة بعد.. اربعة درهم زين.. ـ ما في مشكل ماما.. كم حبا يريد. ـ واحد حبا بس». هذا النموذج من الحوار التجاري الاجتماعي سيكون قاسماً مشتركاً في جميع الأسواق الشعبية، ولا تستخدم فيه سوى ثلاثين أو أربعين مفردة يعرفها البائع الهندي ويجيد استخدامها في بناء جملة تجارية بعد اضافة الرقم اليها، وهي قطعاً لا علاقة لها بالعربية.. كما هو الحال في الانجليزية التي تترنح لفظاً على ألسنة السوق وكلها تبدأ ب: «هاو ماتش وتنتهي ب: تو ماتش في حال عدم الشراء ، أو بـ أوكي جيف مي ون في حال الشراء». ولأن الدنيا حر فان البائع الهندي سيكون فائزاً لأنه اعتاد هذا النموذج من الحوار في هذا الطقس ولديه فراسة في الزبائن وفي جميع الاحوال هو المنتصر أو الرابح لأنه باع بضاعة بأربعة دراهم وحقق ربحاً يمكن ان يصل الى ثلاثة أضعاف السلعة. الطقس له قوانينه في فرض الأسعار التي قد لا تناسب دخل الفرد البسيط، لان المراكز المكيفة تضيف أضعافا مضاعفة على سعر السلعة وهي غير قابلة للمساومة، وهذا النمط من الشراء لا يدخل خارطة محدودي الدخل الذين يريدون بضاعة جيدة ورخيصة وبنت ناس.. ومثال على ذلك أن فنجان القهوة في كافتيريا شعبية فيها تلفزيون وشيشة وشطرنج وورق لعب وطاولة نرد لا يتجاوز الدرهمين.. لكنه يقفز إلى ثمانية دراهم في المقاهي المنتشرة بكثرة في مراكز التسوق ومن باب الجنتلمانية ستترك للساقية الشقراء بقشيشا درهمين وهذا يعني عشرة دراهم ثمنا لفنجان قهوة سايطة لا طعم لها ولا نكهة. تلك القوانين انشئت ضمنياً وتم التعارف عليها اجتماعياً وتحولت إلى قاعدة ثابتة في عالم الطقس الحار، وحيثما يكون المكان فيه «ديكور» وأبهة يكون الثمن باهظاً، لذلك تتجه الأنظار الى الأسواق الشعبية كثيراً وتتضح الصورة أكثر مع موسم الاستعداد للسفر فنجد فصيلة الماماوات (جمع ماما بلغة السوق) والخالات والابلاوات يشددن الرحال إلى السوق الشعبي للفوز ببضاعة جيدة ورخيصة وعليها القيمة فيكثرن من الشراء ويملأن الحقائب بالهدايا التذكارية وفي نهاية المطاف سيجدن ان الحقائب قد اتخمت وان السفر يدق الأبواب وليس على الأزواج المساكين إلا الرضوخ لواقع الحال فيدفعون.. ويدفعون ويستدينون حتى تليق بهم مظاهر العز وفسحة الحياة التي لا يعرف طعمها هؤلاء الذين ينظرون بحسد الى العاملين في الخليج ولكنهم لا يدركون ان لكل جغرافيا قوانينها ولكل طقس قساوته ولكل حادث حديث. E.mail:h-s-d-@maktoob.com