هذا هو السلطان التتمش، يجلس أخيراً على كرسي الملك في دولة عظمى هي مملكة دلهي لم يكن سوى عبد مملوك، جاءت به الاقدار الى هنا، خادم في طاعة سيده الجديد لكن هذا السيد الجديد وجد في مملوكه شجاعة الفرسان، في ساحات الوغى، فأعجب به وقرر ان يزوجه ابنته. ودارت الأيام وعلا مجد المملوك التتمش الذي لم يعد عبدا، انما مسلم حر سيد نفسه. شجاعته التي رسخت اسمه في أذهان الناس، هي التي أوصلته الى كرسي الحكم قاوموه في البداية وحاربه اعداء الدين، لكنه صمد. اقنع من وجد سبيلاً الى اقناعه وهزم من أراد ان يحاربه، وانتصر عليهم جميعاً. وعاشت أمة الهند في عهده عصرا ذهبياً، ازدهرت كثيراً وارتفعت راية الاسلام خفاقة في كل جنباتها وعمل على نشر واحد من أعظم وأهم ركائز هذا الدين، وهو فعل العدل والمساواة، حتى صار عمله هذا مضرباً للمثل في التاريخ. فماذا عمل؟ نادى في المدينة، ان السلطان سيسمع الى كل صاحب حاجة، فما على المظلوم او المحتاج الا ان يلبس ثياباً ملونة، وكان الشعب الهندي يتخذ اللون الأبيض زياً له، فما ان يشاهد السلطان في سيره او مجلسه صاحب ثوب ملون الا قربه واستمع الى شكواه ولبى حاجته. ولكن هذا العمل على عظمته لم يخفف من خوف نفس السلطان، خوفها من الله، ماذا لو مر الليل على صاحب مظلمة وأمير المسلمين غاط في نومه قرر ان يكون الليل ايضاً لأصحاب المظالم، يأتون اليه في قصره، يسمعهم وهو في غرفة نومه، والتزم ان يخرج الى الشاكي مهما كانت درجة الظلام او لذة النوم ونعيم الدنيا يسكن نفسه لحظتها. على مدخل قصره الذي يجلس على بابه أسدان مصوران من الرخام موضوعان على برجين، تتدلى من عنقيهما سلسلتان من الحديد فيهما جرس كبير، كما يصف ابن بطوطة في رحلته، يأتي المظلوم ليلاً فيحرك الجرس فيسمعه السلطان وينظر في أمره. عندما شعر هذا السلطان العادل ان نهايته قد اقتربت، اختار ان يكون ولي عهده ابنته، ومع ان له ثلاثة أبناء من الذكور. ان يكون الحاكم امرأة لم يكن امراً مألوفاً، فحاول الامراء والوزراء ان يغيروا رأي سلطانهم، ويختار أحد أبنائه الذكور، الا انه أجابهم ان ابنته راضية هي أصلحهم للحكم. ومات السلطان فقرر الابن ركن الدين ان يكون هو الحاكم، ووجد ذلك هوى عند الوزراء والحاشية، فجلس على الكرسي، وكان أول فعل قام به هو قتل اخيه، رسالة أراد أن يوصلها للشعب ولأخته راضية، لابد ان تستسلم لقدرها، وترضى بالواقع الجديد. لكن راضية التي تأثرت كثيراً بسيرة والدها، لم يزدها تصرف شقيقها من الأب سوى تحد واصرار على المقاومة تذكرت الأمر العظيم الذي أقدم عليه والدها عندما أراد ان يميز المظلوم من عامة الناس فقررت ان تتصرف. اختارت يوم الجمعة عند اجتماع الناس جميعاً للصلاة والخطبة، لبست ثوب المظاليم وصعدت أعلى القصر القديم الملاصق للمسجد الجامع، وخطبت في المسلمين تذكرهم بأفعال والدها وتشرح الظلم الذي حاق بها وتستنصرهم على شقيقها. أثرت فيهم كلماتها، فقبضوا على السلطان المزعوم، وجاءوا به إليها فقالت لهم لا أريد له الا حكم الشرع، القصاص، فالقاتل يقتل. وقتل، وجلست راضية على كرسي الحكم، ولقبت بالسلطانة راضية عمدة النسوان ملكة الزمان اربع سنوات حكمت فيها، كانت مثل الرجال في قوتها تخرج للحرب وتقود الحملات العسكرية، وفي أيام السلم كانت ترتدي زي الرجال بعد أن قصت شعرها، تتجول في الأسواق وتجلس بين الناس تستمع الى تظلماتهم. بدأت رحلتها نحو الهاوية عندما تحكم فيها قلبها وقعت في غرام عبد حبشي يعمل في خدمة خيلها، فعملت على ترقيته بسرعة، فتحول جمال الدين ياقوت من أمير الخيل الى أن اصبح امير الأمراء في زمن قياسي، وهو الأمر الذي أغضب بقية القادة، فتجسسوا عليها، وشكوا في علاقتها بهذا العبد، واشاعوا ذلك في المدينة. وقرر الناس خلعها، لكنها لم تستسلم ورأت ان تحارب جيش خصمها الجديد الوالي اختيار الدين، ولكنها هزمت ووقعت أسيرة. الذي حدث في هذه الواقعة لم يخل من أمر مفاجئ مثلما هو الشأن في الأفلام الهندية الجيدة، كما تصف فاطمة المرنيسي في كتابها «سلطانات منسيات». فخصمها اختيار الدين وقع في غرام أسيرته، فحررها وتزوجها وعاد معها الى كرسي السلطة لكنها انهزمت هذه المرة هي وزوجها وتقهقر جيشهما. وكانت نهايتها كما الأساطير، أعياها التعب والجوع في رحلة هروبها يصف ابن بطوطة المشهد «قصدت حراثا رأته يحرث الأرض، فطلبت منه ما تأكله فأعطاها كسرة خبز فأكلتها وغلب عليها النوم وكانت في زي الرجال، فلما نامت نظر اليها الحراث وهي نائمة فرأى ما تحت ثيابها قباء مرصعا فعلم انها امرأة فقتلها وسلبها وطرد فرسها ودفنها في فدانه، وأخذ بعض ثيابها فذهب الى السوق ليبيعها، فأنكر أهل السوق شأنه واتوا الحاكم، فضربه فأقر بقتلها، ودلهم على مدفنها واستخرجوها وغسلوها وكفنوها ودفنت هناك وبني على قبرها قبة» وصارت من أولياء الله يزار قبرها ويتبرك به. قليلات هن اللاتي وصلن الى كرسي السلطة وصغن تاريخا، راضية عمدة النسوان ملكة الزمان كانت واحدة منهن. ويبقى فعل السلطان التتمش درساً في فهم الاسلام ودور الحاكم في رعاية الأمة، والخوف الأعظم من التقصير في حقها. shmitrif@hotmail.com