مرت هذا الاسبوع ذكرى نكبة عام 1948 التي ادت إلى قيام اسرائيل فوق 77% من ارض فلسطين العربية وإلى تهجير اغلبية الشعب الفلسطيني من وطنه وإلى أول هزيمة عربية على يد إسرائيل النكبة التي وقعت، منذ اكثر من خمسين عاما ارتبطت باحداث ومآس مازالت اثارها قائمة حتى يومنا هذا. وقد حولت النكبة القضية الفلسطينية لواحدة من اكثر القضايا تأثيرا على الوضع العربي المعاصر وحولت الواقع العربي إلى واقع يسيطر عليه الصراع الدائم مع إسرائيل وقد ظل السؤال العربي منذ قيام دولة اسرائيل، كيف نرد؟ وقد كمنت الاجابة على هذا السؤال من خلال عشرات الحروب وعشرات المواجهات بين العرب وإسرائيل، فمع النكبة برزت الحركات السياسية العربية الداعية للثأر والعودة، وبرزت تيارات العرب القومية وبرزت الانقلابات العسكرية التي املت العرب بالتحرير والعودة، وبرز دور الزعيم المصري عبدالناصر ثم دور المقاومة الفلسطينية، وقد وقعت في اطار الرد على النكبة عدة حروب عربية إسرائيلية بدءا بحرب 1948مروراً بحرب 1956 وحرب 67 وحرب الاستنزاف عام 1968 على الجبهة المصرية، وحرب 73 وحرب 82 وعشرات المعارك والانتفاضات والمواجهات والحروب الصغيرة ان ما حصل عام 1948 لازال حاضراً اليوم خاصة من خلال استمرار الاحتلال الإسرائيلي والقمع الإسرائيلي بحق الفلسطينيين والعرب. ولكن هل كان الرد العربي موفقاً على مدى اكثر من خمسين عاما؟ ستختلف الاجوبة على هذا السؤال الحساس. فهناك من يقول بأن الرد العربي من خلال عشرات المواجهات، والانتفاضات، والحروب، والعمليات وسقوط عشرات الالوف من القتلى والجرحى العرب والإسرائيليين هي خير رد على النكبة، وان هذا الوضع يتطلب في هذه المرحلة صراعاً ذا بعد سياسي هدفه ايصال إسرائيل إلى حالة اقرار بالحقوق العربية واستعداد لحل سلمي وعادل، بل ترى هذه المدرسة ان تحقيق الدولة والقدس وحق العودة مع وقف التنفيذ والتعويض وعودة كل اراضي 1967 بما فيها الجولان هو جوهر السلام الممكن مع إسرائيل ولكن هناك من يقول بأن الرد على النكبة لن يكون ممكنا الا بابقاء الصراع مفتوحاً على شكل امواج من المواجهة تتخلله بعض الهدن إلى ان ينتهي امر اليهود في فلسطين كما انتهى امر الصليبيين في السابق ويرى هذا الفريق المواجهة هي طريق التحرير، وان ما حصل في جنوب لبنان وفي افريقيا وفي فيتنام بأمكانه ان يقع في إسرائيل، هكذا تتناقض التصورات، والردود بين العرب حكومات وشعوباً وتيارات وفصائل. ولكن بعد أكثر من 50 عاماً على النكبة نتساءل عن المقدرة العربية على المواجهة؟ فالدول العربية تتشكل من أكثر من عشرين دولة، لكل دولة منها هموم تختلف عن الاخرى. فالدول العربية الاصغر تخشى الاكبر، والدول العربية ذات الحزب الواحد تخشى افاق الدولة المتعددة الاحزاب، والدول العربية التي تسيطر على الإعلام تخشى الاعلام المفتوح والنقد العلني، والدول العربية التي مازالت تمارس الرقابة على الاعلام تخشى من سقوط الرقابة. ونجد بنفس الوقت ان مجموع اقتصاد المجتمعات العربية لا يزيد على 1.9% من الاقتصاد العالمي وان هذا هو أقل من نصف اقتصاد ايطاليا، والمؤسف في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي ان مجموع اقتصاديات الدول العربية المحيطة بإسرائيل من مصر إلى سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية، الاردن لا يتجاوز حجم الاقتصاد الإسرائيلي لوحده. ان الرد على النكبة يجب ان ينجح في بناء نماذج عربية تمتلك قدرة على التجديد، واخرى على التنمية، ورفع مستوى المواطن المعيشي والتعليمي، النكبة وقعت لاننا كنا ضعفاء، والضعف اتى من ضعف الحيلة وقلة التعليم ومحدودية الحرية وضعف الانفتاح ونقص المعرفة وقلة الانتاج. اليوم بعد اكثر من خمسين عاما على النكبة قد يقول قائل بأن هذا بالتحديد هو ما يجب ان نركز عليه، ودون ان يتناقض ذلك مع افاق المواجهة مع إسرائيل لفرض تراجعات عليها. بلا هذا المدخل ستبقى النكبة قابلة للتكرار وذكرى باقية فوق آلام حاضرة مما ينتج عالما وعربيا يصعب ان تلتئم جراحه ويصعب ان يتجاوز نكباته. ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت