لولا اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في الربع الأخير من عام 2000 المنصرم واستمرار تصاعدها النوعي حتى اليوم لاكتمل التطبيع العربي الرسمي مع إسرائيل في اطار «المشروع الشرق اوسطي»، الأمريكي الإسرائيلي. لقد خلقت الانتفاضة، وخاصة بعد دخولها مرحلة المقاومة المسلحة مناخا جديداً تماما في الساحة العربية مما اضطر الحكومات العربية إلى التريث ومراجعة الحسابات والتقديرات قبل المضي على طريق التطبيع. هذه هي الحقيقة ذات الدلالات العظمى التي ينبغي ان نتوقف عند مغزاها في مناسبة يوم 15 مايو.. ذكرى النكبة. والمغزى هو ان التداعيات الرهيبة لزخم الانتفاضة وتجاوب الشارع العربي معها، رغم انه يظل تجاوبا محدودا ليست بمستوى الاعصار السياسي الذي لا يفتأ يهب من الارض المحتلة، اعادت إسرائيل في الذهنية الجمعية العربية إلى صورة «العدو الصهيوني» التي كانت سائدة قبل كارثة «أوسلو» عام 93.. ملغية بذلك صورة إسرائيل «الدولة» التي تبلورت رويدا خلال السنوات السبع الأخيرة منذ ان بدأ عنصر «الهرولة» العربية الرسمية تجاه هذا الكيان المصطنع بضغوط امريكية قوية على الأنظمة العربية الحاكمة. لكن هل «اوسلو» هي فعلا السبب الحقيقي الجذري للقبول العربي الرسمي لإسرائيل باسم «خيار السلام» كدولة عادية مرشحة لأن تتحول لاحقا إلى «دولة صديقة».. ثم إلى حليف اقليمي» في منطقة «الشرق الأوسط وشمال افريقيا» وفقا للتخطيط الأمريكي الإسرائيلي المشترك؟. «اوسلو» التسعينيات سبقتها بالطبع «كامب ديفيد» السبعينيات التي تبدو لنا وكأنها «رافعة ستار». ولكن حتى كامب ديفيد بكسرها الجليد وإزالة الحاجز النفسي مع الدولة اليهودية على يد أكبر الدول العربية على الاطلاق لم تكن في حد ذاتها سببا بقدر ما كانت نتيجة. ذلك ان كامب ديفيد كانت محطة متقدمة انتهت اليها مرحلة من الاضمحلال العربي بدأت منذ اواخر الستينيات. هزيمة 1967 كانت اذن بداية حلول مناخ هو الذي افرز كامب ديفيد بعد 12 عاماً. وليس المقصود هو الهزيمة بمعناها العسكري وانما ما ادت اليه من شعور شعبي عام بالانهزام النفسي الداخلي والاحباط الذي ادى بدوره إلى حالة عامة من استثمار الضعف واليأس.. اتسع نطاقها وتعمقت برحيل عبدالناصر بعد ثلاث سنوات من وقوع الكارثة. ورغم ما يقال حتى اليوم عن حرب اكتوبر 73 الا ان الحقيقة التاريخية التي لا مراء فيها هي ان النتيجة السياسية النهائية لتلك الحرب كانت كامب ديفيد واعترافاً عربياً لأول مرة منذ نكبة 48 باسرائيل و«حقها في الوجود». وبالرغم من ان العرب، حكومات وشعوباً ردوا على كامب ديفيد بمقاطعة شاملة لنظام الرئيس السادات الا انه بعد عام واحد فقط من ابرام «معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية» في عام 1979 وقعت الحرب العراقية الايرانية لتصرف انتباه العرب، حكومات وشعوباً أيضاً، عن إسرائيل والقضية الفلسطينية. ولم تكد حرب الخليج الأولى تنتهي حتى وقعت بعد سنتين فقط حرب الخليج الثانية بتحالفها الدولي المدبر امريكيا لتخلق مناخا سياسيا جديدا تماما بعنوان ان «العدو» هو العراق وليس إسرائيل. وكأن السيناريو كان جاهزا: مؤتمر مدريد يفضي إلى «مفاوضات المسارات» مع إسرائيل.. ومفاوضات المسارات تفضي إلى تفاوض أوسلو السري.. وبعد عام من توقيع اوسلو تأتي «وادي عربة» ايذانا بالهرولة العربية الرسمية. وفجأة وكاعصار صحراوي تأتي انتفاضة 2000 كتذكار عنيف للأنظمة المهرولة بأن اسرائيل بعد 52 عاماً من قيامها لا تزال «العدو الصهيوني» وليست دولة يجوز التطبيع معها.