عندما يعيش شعب من الشعوب رفاهية اقتصادية تغطي احتياجاته الأولية فانه يميل إلى البحث عن ممارسة حقوقه الأخرى التي تتمثل في الاحتياجات التي تلي احتياجات الخبز والمسكن، وهي احتياجات أساسيةأيضا في عالم يبحث عن العدالة والمساواة مثل حق ممارسة الحرية الفكرية والتفكير، ويكون بحثه عن ممارسة تلك الحقوق متسما بالهدوء واستخدام أدوات الحوار بعيدا عن العنف. لكن إذا كان هذا الشعب يعيش في ظل ضغوط اقتصادية تحرمه من إشباع رغباته الأساسية فان تطلعه إلى ممارسة حقوقه الأخرى يدفع به إلى العنف، لأن الشعوب تؤمن انه بالإمكان إشباع الرغبات الأساسية بما تملك من ثروات وطنية ترى أن النظام الحاكم فيها السبب الأول في تبديد تلك الثروات عن عمد، لذلك لا يصلح مع مثل هذا النظام أي حوار ويجب ممارسة العنف في مواجهته حتى يسلم بمطالب جماهير ذلك الشعب. قومية متميزة وهذا ينطبق تماما على شعب الباسك، الذي يعتبر نفسه قومية متميزة بين القوميات التي تشكلها المملكة الإسبانية، والتي ظلت تناضل طوال عقود في مواجهة نظام الجنرال فرانكو الذي رفض الاعتراف بهذا التميز، وحكم على الإقليم أن يكون خاضعا للإدارة المركزية، ومنع التعامل الرسمي باللغة الباسكية المحلية مما اعتبره أبناء الباسك اعتداء على هويتهم القومية، فمارسوا العنف ضد هذا النظام وحاولوا تغييره بالقوة، ومن هنا نشأت منظمة «ايتا» العسكرية التي كانت تتمتع خلال مراحلها الأولى بتأييد واسع بين الجماهير الإسبانية غير الباسكية، لأنها كانت ترفع شعارا يساريا في زمن كانت فيه رأية اليسار هي الأعلى. لكن بعد رحيل الجنرال الدكتاتور وعودة الديمقراطية تحت قيادة التاج الملكي الإسباني «البوربوني» بقيادة الملك خوان كارلوس الأول، اعترف الدستور الوطني الإسباني للقومية الباسكية بتفردها، وحقها في ممارسة لغتها المحلية ومنحها حكما اقرب إلى الحكم الذاتي، بل أن الحزب الوطني الباسكي الذي يقف على يمين منظمة «ايتا»، وان كان يعمل من اجل تحقيق شعاراتها في الاستقلال الكامل عن الوطن الام إسبانيا، حكم الإقليم منذ الانتخابات الأولى التي أعقبت عودة الديمقراطية، وذلك من خلال حكومات أقلية تحالفت مع الحزب الاشتراكي الذي كان اقل عنفا في رفض الاستقلال عن الوطن من الحزب الشعبي اليميني الذي كان ولا يزال يعتنق مبادئ الجنرال فرانكو، وبالتالي يرفض مجرد الحديث عن «حق تقرير المصير» الذي يطرحه المعتدلون في بلاد الباسك. خلال السنوات الأولى من الديمقراطية الإسبانية التي شهدت أول انتخابات حرة حقيقية عام 1978، كانت الرؤية لا تزال غير واضحة تجاه مستقبل هذا النظام الذي جا ء بالحريات العامة بعد أربعين عاما من القمع والقهر، لذلك استمرت أعمال العنف التي كانت تمارسها «ايتا» باعتبار أن شعارها هو النضال ضد النظام المركزي الذي كان يحكم البلاد عبر شخصيات سياسية تربت على السياسة ومارستها منذ حياة الجنرال فرانكو، مما يجعلهم تحت الاشتباه في الانتماء لأفكاره ومحاولة الإبقاء عليها حية بعد رحيله. الانتهازية السياسية لكن الأوضاع بدأت تتضح مع وصول الاشتراكيين إلى الحكم في الحكومة المركزية في مدريد، وبدا أن عهد الديمقراطية وممارسة الحريات أضحى حقيقيا، خاصة أن الحزب الاشتراكي كان يقدم الدعم البرلماني للحزب الوطني الباسكي في الحكومة الإقليمية، وانعقدت الآمال على الحزب الاشتراكي في تحقيق حلم الباسكيين في وقف أعمال منظمة «ايتا»، خاصة بعد أن بدأ الحزب الاشتراكي محادثات تحاول التوصل إلى حل سلمي يسمح للقومية الباسكية بالتعايش في ظل الميثاق الوطني الذي يعترف لها بخصوصية هويتها الوطنية، ويوقف أعمال العنف التي كانت تمارسها «ايتا». لكن مع مرور الوقت وفشل المحادثات بين ممثلي منظمة ايتا المنفيين في الجزائر، في ذلك الوقت، وتراجع شعبية الاشتراكيين في إسبانيا واحتمال خروجهم من الحكم بعد اكثر من ثلاثة عشر عاما من الأغلبية المطلقة، كثفت منظمة ايتا من عمليات تفجير السيارات المفخخة في قلب العاصمة مدريد. ثم كانت نهاية الأمل عند فوز الحزب الشعبي اليميني في انتخابات عام 1996 وتوليه الحكومة، لأن المنظمة اعتبرت أن أي أمل في التوصل إلى حل سلمي للمشكلة الباسكية لن يكون سهلا مع حكومة تحمل فكر الجنرال فرانكو الذي كان يرى في إقليم الباسك مجرد مقاطعة تابعة للحكومة الإسبانية، ولا هوية له. وتحققت المخاوف بالفعل، خاصة بعد أن أعلن رئيس الوزراء خوسيه ماريا ازنار أن اللغة الوحيدة التي تفهمها منظمة «ايتا» هي لغة العنف، وجند البوليس الوطني للعمل ضد المنظمة في جميع الاتجاهات، ورفض أي حوار معها، ولكنه كان مستمرا في تعاونه مع الحكومة الإقليمية في الباسك لأسباب تدخل تحت بند «الانتهازية السياسية»، لأنه كان في حاجة إلى أصوات المجموعة الوطنية الباسكية في البرلمان المركزي حتى يستطيع الحصول على الأغلبية المطلوبة للحكم. و بعد انتخابات عام 2000 وتحقيقه الأغلبية المطلقة بطريقة مفاجئة للجميع، بما فيهم حزبه هو شخصيا، قام رئيس الوزراء بتغيير قواعد التحالفات، ووضع الحزب الوطني الباسكي في الخندق ذاته الذي تقف فيه منظمة ايتا (!)، وادى هذا إلى توتر العلاقات بين الحكومة المركزية في مدريد والحكومة الإقليمية في بلاد الباسك وعودتها إلى عهد الجنرال فرانكو. مطلب الاستقلال الكامل وحدثت مواجهات عنيفة بين الجانبين زادت من حدة تطرف الحكومة الوطنية لإقليم الباسك، مما جعلها ترد على الحكومة المركزية بالإعلان صراحة تبنيها للاستقلال الكامل الذي تنادي به منظمة ايتا، وان كان في إطار العمل السياسي وليس العمل العسكري الذي تمارسه المنظمة. تصاعدت حدة الاتهامات بين الجانبين، وخلالها بدأت شعبية منظمة ايتا في العودة إلى الارتفاع من جديد ولكن هذه المرة في داخل الإقليم الباسكي وليس خارجه، وبدأت أعمال المنظمة تزداد حدة وعنفا، مما فسره البعض تأييداً لمواقف الحزب الوطني الباسكي الذي ترك اعتداله وبدأ يرد على الحكومة المركزية من موقف اكثر صلابة وتطرفا. لكن منظمة ايتا ارتكبت العديد من الأعمال التي جعلت التأييد الشعبي لها يتراجع بسرعة، خاصة بعد عملية اختطاف واغتيال أحد السياسيين الشباب المنتمين إلى الحزب الشعبي في إقليم الباسك، وزاد تخلي الجماهير عن تأييد منظمة ايتا عمليات الاغتيال المتتالية التي امتدت لتخرج عن نطاق السياسيين المنتمين للحزب الشعبي ولتشمل سياسيين ينتمون إلى الحزب الاشتراكي أيضا. بل امتدت عمليات الاغتيال إلى أساتذة جامعات وصحفيين لا ينتمون إلى الأحزاب السياسية الوطنية أو الإقليمية، لمجرد خلافهم في الرأي مع فكر المنظمة ومنظريها أو رفضهم الدعاية لهذا الفكر المتطرف، وتحولت كثير من وسائل الإعلام الوطنية إلى هدف معلن للمنظمة الانفصالية الباسكية، أدى كل هذا إلى حدوث مواجهات مع مؤيدي المنظمة وبشكل خاص شباب حزب «ايري باتاسونا» الذي تقدم للانتخابات تحت شعارات جديدة، وتحولت الحياة السياسية إلى جحيم حقيقي. وعندما بدأت الاستعدادات للانتخابات المبكرة التي دعا إليها حاكم الإقليم للخروج من أزمة العلاقة السيئة مع الحكومة المركزية التي أوقفت كل تعامل معه خلال عام كامل، مما يعد مخالفة صريحة للدستور الوطني الإسباني، واعتقدت حكومة اليمين المركزية أن ساعة توليها الحكم في إقليم الباسك قد حانت لتضم حكومة الإقليم إلى قائمة الأقاليم التي تخضع لحكمها المباشر، فقدمت وزير الداخلية «مايور اوريخا» مرشحا لمنصب رئيس الإقليم اعتمادا على شعبية حققها بسبب فعالية النشاط البوليسي في مواجهة «ايتا» في العديد من العمليات التي أمكن خلالها تفادي عمليات كان يمكن أن تودي بالعديد من الأرواح. لكن الحياة الاقتصادية في إقليم الباسك كانت تسير على وتيرة أخرى، فقد كان النشاط الاقتصادي في الإقليم من افضل الأنشطة، برغم تهديدات «ايتا» للعديد من رجال الأعمال من خلال فرض «الضريبة الثورية» عليهم، وتشير الإحصائيات إلى أن معدل النمو في إقليم الباسك خلال الأعوام الثلاثة الماضية تفوق كثيرا على متوسط النمو في كل الدول الأوروبية، وتقول الأرقام ان معدلات الأجور في إقليم الباسك أعلى من مثيلاتها في باقي الأقاليم الإسبانية. من هنا كان على الناخبين الباسكيين الاختيار بين حكومة وطنية حققت لهم استقرارا اقتصاديا، أو بين حكومة يمكن أن تأتي بوزير الداخلية المركزي للحكم في الإقليم ليتجدد الصراع من جديد مما يهدد الرفاهية التي ترفرف على الإقليم. وعلى الرغم من التوقعات المتفائلة للحكومة المركزية ومشاركة رئيس الوزراء خوسيه ماريا ازنار في الدعاية لمرشح حزبه، وتوظيف وسائل الإعلام المركزية للدعوة إلى التحول عن الحزب الوطني الباسكي إلى الحزب الشعبي اليميني، فان المواطن الباسكي كان في الحقيقة مخيرا بين الرفاهية أو القضاء على منظمة ايتا. الجلوس إلى المائدة وأثبتت الانتخابات التي جرت الأحد الماضي أن للرفاهية تأثيرها، إضافة إلى أن الحزب الوطني الباسكي قدم في برنامجه الانتخابي دلائل تشير إلى انه سيعمل على إقناع منظمة ايتا لوقف عملياتها الدموية والانضمام إلى مائدة تبحث في الحل السياسي لمشكلة الباسك على غرار ما جرى في ايرلندا الشمالية. ما بين صرخات الحرب القادمة من الحكومة المركزية وإعلانها أن القضاء على «ايتا» يعتبر ضرورة أولية، وانه لا يمكن أن يتم إلا باستخدام البوليس، وما بين من يستخدم الأرقام الاقتصادية بين يديه، قررت الجماهير منح ثقتها لمن حقق لها الرفاهية. لكنها حجبت ثقتها عن الجناح السياسي لمنظمة ايتا تعبيرا عن رفضها لأعمالها الإرهابية التي قد تعرض الاقتصاد الباسكي، وتعرض بالتالي الرفاهية التي يعيشها الشعب الباسكي للخطر، ولم يعد أمام الحكومة المركزية الان سوى قبول الجلوس إلى «المائدة» والتعامل مع الحزب الوطني الباسكي باعتباره المنتصر في تلك الانتخابات، وتخفيف حدة لغة التخاطب معه حتى لا تتسبب في عودته إلى التطرف. ـ كاتب مصري