مشحوناً بمشاعر غضب لا وصف له، ومسكوناً بهاجس «النكبة» التي لا تشبع أبداً، ولا تشيخ، رغم تجاوزها نصف قرن بثلاثة أعوام، ومع ذلك لا ينقطع طمسها، وتلد لنا كل عام، أفراخاً من «النكبات»، وتلتهم الحلم بعد الآخر، وتحاصرنا وسط دائرة قدرية لا فكاك منها، وكلما انبلج خيط ضوء، طمسته بظلمات تهب علينا من كل فج، حتى استوطنتنا أوهام وكوابيس واختلطت علينا الأمور، وكدنا نفقد الثقة في وجودنا ذاته، وصرنا نستجدي حقنا من غاصبه، ونستمرئ استهزاءه بنا، ونمشي خلفه، وفي ركابه، ونلوك بألسنتنا حديث خرافته وخداعه، نمني النفس، بلحظة لن تأتي أبداً، لحظة اعترافه بجرمه التاريخي، وإبراء ذمته من دماء كل الشهداء، الذين لم ينقطع موكبهم منذ مذبحة دير ياسين وحتى مذابح الأقصى، وما بينهما كثير، والمخبوء في جعبة الغاصب أكثر، وحتى ان كابر البعض وأغمض عيونه. مشحوناً بهذا القدر من الأسى، ومطارداً بلعنة الشعور بعجز خير أمة أخرجت للناس، خلدت الى النوم، نوم من النوع الذي يقف على الحد ما بين اليقظة والنعاس، وتختلط فيه الأشياء، وتتلاقى الوقائع مع التخيلات، حتى غرقت في طيف رؤيا عجيبة، أزهرت في الروح حقولا طال جدبها، وحلقت بها وسط سرادق احتفالي مشبع ببهجة أبدية، يمتد من ساحات المسجد الأقصى بالقدس حتى فضاء كنيسة المهد في بيت لحم، وترفرف عليه أعلام فلسطين، ويؤمه أفواج من كل الأقطار العربية والإسلامية، وتعلوه لافتة لم أر لها مثيلاً، في واقعنا الكئيب، تقول: القدس ترحب بالأشقاء في الذكرى الأولى لتحرير فلسطين وقيام دولتها المستقلة على كامل ترابها من النقب جنوباً، وحتى الجليل شمالاً، ولافتة أخرى تعلن: فلسطين عربية، تطهرت من دنس الصهيونية، واحتضنت الأقلية اليهودية، وصانت حقوق الجميع. وجدتني غارقاً في حوار مع من يقف بجانبي أسأله: في أي عام نحن، ومتى.. وكيف.. وقبل أن يمتد حبل التساؤلات، قاطعني، نحن في 15 مايو عام 2049، العام الثاني بعد حرب التحرير والاستقلال، الموافق لمرور مئة عام على النكبة الكبرى واغتصاب فلسطين. أما كيف تحقق، فالفضل راجع الى الذين ظلوا متمسكين بجمر الحق، ولم يقعدهم عن طلب الجهاد، فتاوى الإفك والرضوخ للأمر الواقع ولم تعم أبصارهم أوهام ضوؤها مسيطر، وظلوا يعاينون بزوغ الفجر وسط عتمة الليل الطويل، وتحدوا بايمانهم ميل ميزان القوى لصالح الغاصب. قلت له لكن، أذكر أنني في حياتي كنت ضمن جيل فرض عليه خيار السلام الاستراتيجي، وأنهكه عدد جلسات التفاوض، وقراءة مواثيق اتفاقيات لم تنفذ، وأرعبه اختراق الصهاينة لمجتمعاتنا، واستبدل ما تحكي عنه من جهاد، بقطع الوقت ما بين دفاع عن سلام لم يتحقق أبداً، أو الشجب والتنديد بعدوان لا توقفه فوهات مكبرات الصوت، أو أحاديث الفضائيات، حتى تاه منا الطريق ورحلنا ونحن موتى قبل أن نموت. قال لي: هذا زمان ولى، ودورة من دورات التاريخ، كتب على أمتنا ان تعيشها، من قبل وفي كل دورة، تقوم من انكسارها ناهضة، فتية.. وبلهجة لم تخف غضبه: يا أخي ألم تقرأ عن تحرير القدس وكل فلسطين من دنس الجيوش الصليبية بعد احتلال دام قرنا ونصف القرن، كيف فات جيلكم هذا الدرس... وقبل ان ارد، انتهت الرؤيا، ووجدتني أدير المفتاح لأشاهد المزيد من المذابح للفلسطينيين، ويعقبها حديث لا ينتهي عن العودة لطاولة المفاوضات واستئناف المسيرة.. وعليكم السلام.