أظن أنني عرفت جامعة هارفارد قبل أن أراها، أو أعمل بها، من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية الأمريكية. طبعا كنت أسمع عن أهمية هذه الجامعة من الأكاديميين الذين يتحدثون عن أهم الجامعات في العالم، أو عن هؤلاء الذين يتحدثون عن جامعات القمة العشر في الولايات المتحدة، ويضعون جامعة هارفارد على رأسها، وأحيانا يضعون جامعة الإم .آي.تي (اختصار: معهد ماساشوستس للتكنولوجيا) على القمة، وكان ذلك قبل أن أشاهد بعيني، وأسمع بأذني، التنابذ بين الجامعتين المتجاورتين في المكان، واللتين تطلان على شاطئ نهر شارلز الذي يفصل ما بين مدينة بوسطن ومدينة كيمبردج كما يفصل نهر النيل ما بين الجيزة والمنيل. ومازلت الى اليوم أسمع سخرية أبناء هارفارد من الإم.آي.تي والسخرية المقابلة والتي يمكن تلخيصها في أن هارفارد تكتب أدبا والإم.آي.تي تنتج علما وتكنولوجيا. المهم، أنني قبل أن أسمع ذلك كله، وقبل أن أغادر جامعة القاهرة، كنت أسمع اسم هارفارد بوصفها أعظم جامعة أمريكية. وقد أكدت الأفلام التي رأيتها والتمثيليات التي شاهدتها هذه الصور، بل أضيف الى ذلك أنني شاهدت بعض مباني جامعة هارفارد على الشاشة الكبيرة والشاشة الصغيرة، قبل أن اراها فعليا، وأذكر أنني شاهدت مرة أخرى بعض هذه الأفلام، بواسطة الفيديو، للمقارنة بين انطباعاتي الأولى وانطباعاتي اللاحقة. وأذكر كذلك أنني كنت أتوقف عند بعض الشوارع، والمباني، وأقول لنفسي: لقد رأيت ذلك من قبل. هكذا، عرفت المبنى الاساسي لكلية الحقوق (أو مدرسة القانون) التي هي أشهر كلية في العالم كله، ويتقاتل الآلاف للالتحاق بها، وتتنافس الشركات العالمية لتعيين خريجيها، وشاهدت مكتبة وايدنر الشهيرة. ورأت عيناي على الشاشة (هارفارد بارد) أو ساحة هارفارد، وذلك بالاضافة الى الشوارع الصغيرة الهادئة. وكان الفيلم الأول الذي لابد أن يذكره الكثيرون، من أبناء جيلي على الأقل، فيلم Love Story أو (قصة حب) الذي تم تصويره سنة 1969، وقام ببطولته ريان أونيل وإلي ماكجرو، وكان الفيلم عن قصة حب بين ابن أحد العائلات الثرية في ولاية ماساشوستس التي تقع فيها جامعة هارفارد التي كان يدرس الشباب فيها القانون، وفتاة جميلة فقيرة في جامعة راد كليف براون التي كانت في البداية جامعة مستقلة مخصصة للطالبات، ولكنها أصبحت فيما بعد إحدى كليات جامعة هارفارد، خصوصا بعد حركة تمرد المرأة في جامعة هارفارد، ضمن موجات الستينيات التحررية، ومطالبتها بالمساواة مع الرجل، وتمضي قصة الحب الجميلة التي شدت الملايين، ويتزوج الفتى حبيبته التي تدفعه الى الأمام، ولا يهتم بأسرته الثرية، ويتخرج بعد أن كافح كفاحا مجيدا ليكون جديرا بحبيبته. لكنه يكتشف أن حبيبته تصاب بمرض خطير، لا نجاة منه، وتنتهي قصة الحب الجميلة بموت الفتاة التي انتزعت حب الملايين. وقد كنت أتصور أن هذه قصة خيالية، ولكنني فوجئت، وأنا أقرأ أحد الكتب عن جامعة هارفارد، أنها قصة حقيقية الأصل، وأن الممثل رايان أونيل الذي كان يقوم بتمثيل شخصية أوليفر باريت الرابع لاعب الهوكي كريم الأصل لم يكن يؤدي دورا خياليا تماما، وأن حبيبته جيني كافيليري، ذات الأصل الايطالي، الطالبة في كلية رادكليف للبنات لم تكن خيالا مائة في المائة. وعرفت أن الفيلم مأخوذ عن رواية أصدرها إريك سيجال ابن هارفارد الذي حصل على الدكتوراة سنة 1958، ونشر كتابه سنة 1965، فأصبح الكتاب من أشهر الروايات، بل أشهر روايات ذلك العام، وقد قيل إن عدد ما طبع من رواية إريك سيجال كان أضخم عدد في تاريخ الطباعة، وقد وصفت مجلة هارفارد (هارفارد بولتن) ذلك الفيلم بأنه فرار بهيج من قسوة الحاضر، وأنه خلف عالما خياليا، كانت فيه أيام الكلية سعيدة، والنساء نقيات ومخلصات، والرجال أقوى وأكثر حساسية، وأمريكا نفسها كانت بلدا لا تعكره مشاكل التوترات الاجتماعية. وقد دفعتني هذه المعلومات الى مشاهدة الفيلم مرة أخرى، ومحاولة تحديد أماكن تصويره التي لا تزال قائمة الى اليوم، وأهم من ذلك التفكير في الجهد المضني الذي يبذله الطلاب للحصول على شهاداتهم من كليات هارفارد، أو تسديد نفقات الدراسة فيها بوصفها أغلى جامعة في العالم، وأذكر أن هذا الجهد واضح في فيلم (الشركة) الذي قام بتمثيله توم كروز. وهو عن قصة طالب متفوق في كلية الحقوق، تغريه إحدى الشركات بالعمل فيها، عارضة مرتبا ضخما وسكنا رائعا، ويذهب الى الشركة مع الفتاة التي يحبها والتي كانت تعمل مدرسة أطفال. وهناك، يفاجأ بقيام الشركة بأعمال اجرامية فيأخذ على عاتقه كشف فسادها، وبعد مغامرات توم كروز التي يحبها شباب هذه الأيام ينجح الشاب في كشف جرائم الشركة، وينجو برقبته، ليعود هو وحبيبته الى العالم النقي اللذان بدآ منه. ولكن ليست كل الأفلام تصور هارفارد على هذا النحو الايجابي، فهناك روايات تحولت الى أفلام، تظهر الوجه المقابل. أعني الوجه الانساني الذي يمكن أن يختفي نتيجة الحرص على التفوق، أو تقليد الأساتذة البارزين الذين أضاعوا إنسانيتهم في رحلة تفوقهم. ومن هذه الافلام فيلم بعنوان (مطاردة الورقة ) والورقة هنا هي شهادة القانون التي تقدمها كلية الحقوق، والتي يبذل أحد الشبان جهده الهائل للحصول عليها، في الوقت نفسه الذي كان يبذل جهدا موازيا لإرضاء أستاذه، ولكن حظه يجعله يتعرف على ابنة هذا الأستاذ المتمردة على أبيها، والرافضة لاحتقاره الجانب الانساني في الانسان، وتعدي الابنة المتمردة حبيبها الذي سرعان ما يكتشف أن جوهره الانساني أهم من ورقة التخرج التي يحصل عليها، وأن هذه الورقة لا معنى لها لو تخلى عن قلبه ومشاعره وانسانيته التي ينبغي أن تكون لها المكانة الأولى في داخل الانسان. وأذكر الآن فيلما ثالثا عن كلية الحقوق أيضا، في هارفارد وهو عن شاب يصل الى النتيجة نفسها، نتيجة تعرفه على أحد المتشردين الذي يتخذ من أحد بدرومات الجامعة مستقرا له. ويدخل الشاب مع هذا المتمرد المصاب بمرض خطير في سلسلة من المغامرات التي تنتهي به الى النضج النفسي، واكتشاف أنه لا قيمة للتفوق العلمي بإنكار إنسانية الإنسان، أو تجاهل المشاعر الحقيقية التي يتميز بها الانسان عن الآلة. وقد عرفت من الكتب التي تتحدث عن تاريخ جامعة هارفارد أن هوليوود لم تستغرق وقتا طويلا في اكتشاف أهمية هارفارد للسينما، فكان أول فيلم بعنوان (براون هارفارد) سنة 1917، وهو فيلم مأخوذ عن مسرحية بالعنوان نفسه صدرت سنة 1909، وقد أعيد تمثيل هذا الفيلم سنة 1926 لإبراز الصراع على التفوق الرياضي والعلمي. وأبرزت المشاهد ملاعب كرة قدم هارفارد، وميدان هارفارد، ومكتبة وايدنر، والقاعة التذكارية، وغير ذلك من الأماكن التي تكررت بعد ذلك في الأفلام ومنها فيلم (الاستمرار مع ليزي) سنة 1922 وفيلم (الراجا الشاب) في السنة نفسها، وقام بتمثيله رودلف فالنتينو الذي كان شهيرا في ذلك الوقت، وقام في الفيلم بدور أمير هندي يأتي الى هارفارد للدراسة، وقد استمرت أفلام هارفارد بعد ذلك، مثل فيلم (بعد ذلك الى الأبد) سنة 1926 وفيلم (من أجل مايك) وفيلم فرانك كابرا (طيران كولومبيا) سنة 1929 وذلك في السلسلة التي لم تتوقف الى اليوم، والتي تظهر جامعة هارفارد وكلياتها بوصفها رمزا للتنافس العلمي والصراع على المناصب والعمل من أجل المستقبل في الوقت نفسه، ولذلك، لم أدهش حين عرفت أنهم يحتفظون في بعض متاحف هارفارد بمجموعة كاملة من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي تعرضت للحياة فيها. وقلت لنفسي حين عرفت ذلك: أرجو أن تفعل جامعة القاهرة شيئا من ذلك، خصوصا أن الأفلام التي تم تصويرها في رحابة هذه الجامعة كثيرة الى درجة أصبحت أراها لافتة.