منذ أن عقدت مجموعة الاتفاقيات التي تلت مؤتمر مدريد في بداية تسعينيات القرن الماضي، دأب البعض الفلسطيني على التقليل من أهمية ما توصل له الفلسطينيون في فرض الانسحابات من بعض المدن الفلسطينية، والقرى التي تقع في المنطقة ألف، والتي تعتبر منطقة فلسطينية خالصة دون أن ينظر هذا الطرف ولو للحظة أن ما جرى من انسحابات اسرائيلية، لم تكن و ليدة قناعة آنية عند الاحتلال، أو نتيجة لما يسمى بالتسامح ونسيان الماضي، كما يشيع هذه المقولة بعض القيادات الإسرائيلية، وبالأخص بعض قيادات حزب العمل الذين يدعون التسامح مع الآخر بعكس ما يضمرون، بقدر ما جاءت نتيجة لصراع طويل يمتد عمره إلى الخلف زهاء أكثر من مئة عام مع طلائع الاستيطان العبري، التي قادته الحركة الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر، وأكثر من خمسين عاماً من الصراع المرير والدامي مع قوات الاحتلال الإسرائيلي. القوافل تلو القوافل أي بكلام آخر لم يتوقف يوماً شلال الدم الفلسطيني والعربي والمسلم دفاعاً عن عروبة فلسطين واسلاميتها، ولم يتوقف الرباط باتجاه هذه الواجهة الغراء، التي منذ أن عرفها التاريخ أرضاً ومسكناً للعرب والمسلمين، والغزاة قبلة، لايزال أبناؤها يقدمون القوافل تلو القوافل من الشهداء لدرجة نسي معها ورثتهم مجالس العزاء المعهودة التي نألفها منذ فجر التاريخ، حتى وصل الأمر بنا للقول أن تراب هذه الأرض باتت مخضبة، أو مجبولة، والأمر سيان، بدماء أبناء الأمة من ذات المشرق والمغرب، دون أن نتناسى دماء من يسمون «بالبوشناق»، الذين قدموا دفاعاً عن فلسطين ومقدساتها من البوسنة والهرسك في عام 1948، وقدر عددهم حسب الروايات من شهود العيان، بما يزيد عن أربعين شهيداً في منطقة عكا ومرج بن عامر. وبعيداً عن استحضار الماضي الموغل بالقدم وبرائحة البطولات، لا بد من استحضار الوقائع التي لانزال نعيش فصولها يومياً من خلال القادمين من ساحات الاستشهاد، إن كان مما يسمى بأراضي الـ 48 أو ال67، و من خلال عدسات المصورين وشاشات التلفزة غير المنحازة إلا ما تلتقطه عدساتهم دون دراية أحياناً، ووسائل الأعلام، نستخلص بأن الاستيطان الصهيوني أو ما يسمى بالعمل العبري، وكل المشاريع المقامة أو المزمع إقامتها على الأرض الفلسطينية المحتلة، تتركز في معظمها خارج الأراضي التي أطلق عليها تسمية، أملاك الغائبين. إن هذا السلوك الاستيطاني إذا ما عبر عن شيء، إنما يعبر بكل تأكيد على أن اسرائيل رغم الخمسة عقود ونيف لم يهدأ لها بال وهي باتت متأكدة بأحزابها وبمؤسستها العسكرية والأمنية وبقطعان مستوطنيها، أن هذا الصراع الدامي الذي أعاد غزة وبعض مدن وقرى وتلال الضفة، هو ذاته سيعيد اللاجئين إلى ديارهم التي طردوا منها في العام. 1948خاصة إذا ما علمنا ان النضال الفلسطيني لم يبدأ بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن منظمة التحرير الفلسطينية عندما تشكلت بإرادة فلسطينية وعربية تشكلت على أساس من استعادة الأرض التي اغتصبت في العام 48، وأن الاحتلالات التي حصلت بعد ذلك كانت نتيجة للصراع ليس على أساس الجزء، بل على أساس استعادة الكل، باعتبار أن الجزء على الدوام يجب وبالضرورة أن يؤسس للكل. لكن هذا الكلام ليس مبرراً لاصحاب الأحلام الرومانسية والأنوف الطويلة الذين يتصورون بأنهم قادرون على حسم أي معركة صراعية بحركة أنوفهم واهمين كثيراً، وأن ما يطرحونه غالباً بحسن النوايا أو بسوئها يصب في خانة التيئيس، وأنهم عندما يسمحون لانفسهم دون رقيب أو حسيب بالتغني ببطولات بعض الشعوب بتحرير أوطانها، مثل الشعب الفيتنامي، عليهم أن يتذكروا أن مباحثات وزيرة خارجية فيتنام في تلك الحقبة من الزمن كانت تدور في باريس، باعتبار أن باريس كانت شريكة بالاحتلال، وبعض عواصم الغرب للتفاوض والصراع على مقاطعة سايجون دائر على أشده. البندقية والحجر والتفاوض ان الانتفاضة الفلسطينية الكبرى وانتفاضة الأقصى، التي ما تزال تدور رحاها على الأرض الفلسطينية وتقدم طوابير الشهداء والجرحى بشكل يومي، لتخلف الثكالى والأرامل والأيتام، هي تماماً كما حصل مع باقي الشعوب الأرض، بصرف النظر عن جنسياتهم وانتماءاتهم وأعراقهم، التي تحررت من نير الاحتلال، ويحق لهذا الشعب كما غيره من الشعوب أن يتغنى بالبندقية والحجر والتفاوض معاً، لان جميعها تشكل أسلحة حادة في معركة تقرير مصير الشعب برمته وليس جزءاً منه. وعلى هؤلاء أن يدققوا النظر قبل إلقاء التهم جزافاً على الآخرين، لان من يستشهدون بهم على الدوام في أقوالهم وخطابهم السياسي، سلكوا ذات الطريق، التفاوض والبندقية جنباً إلى جنب، وعليهم أن يعترفوا بأن الأراضي الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية هي أرض محررة، رغم الطوق المفروض عليها احتلالياً، وأن الاقتحامات اليومية التي ينفذها عسكر شارون على جنبات المدن والقرى المحررة لهي تعبير حي، ورد مباشر على ادعاءاتهم وتلفيقاتهم المجوفة التي لا تحمل معنى سوى العجز عن تقديم أي فعل كفاحي على الأرض، سوى بيانات الاحتجاج وتبني الأعمال البطولية التي يقوم بها الغير، لكي تكون أداة للارتزاق من هذه الدولة أو تلك، التي تطمح مشكورة لتقديم الدعم إلى أبناء جلدتها انطلاقاً من القيام بالواجب، لكن هذه الدعم إذا ما بقي يعطي لهذه الفئات الحاقدة والعاجزة على شكل هبات ومساعدات، سيزيد الساحة الفلسطينية إرباكا، لانه بكل تأكيد يمد في عمر العجز بالشكل العام، ويؤخر في بروز القوى الحية المتلاحقة جيلاً بعد جيل، وما أحوجنا نحن العرب عامة والفلسطينيين بشكل خاص هذه الأيام لتواصل الأجيال، حتى لا نصل إلى مرحلة العقم، أفراداً ومجتمعات ودول على حد سواء، لنصل بعدها إلى مرحلة الندم يوم لا يشفع الندم لاحد. ومن نافلة القول لابد من التأكيد، ولو كان هذا التأكيد يقبع في حيز البديهيات، أن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى هي التي أقنعت العالم بشكل عام والإسرائيليين بشكل خاص على ضرورة التفاوض، حياداً عن حجم النتائج المرجوة، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني، وليس كما يشاع بأن نتائج حرب الخليج الثانية هي التي أدت إلى ما آلت إليه الأمور، والتي تمثلت في الإعلان عن إنشاء السلطة الفلسطينية ،وأن انتفاضة الأقصى بكل تأكيد تأتي في هذا السياق، وفي إطار كنس الاحتلال وقطعان مستوطنيه دون قيد أو شرط عن الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967،ودون تقديم التنازلات، وأن هذه الانتفاضة لم تأت رداً على اقتحام شارون للحرم القدسي الشريف وحسب، بل لان الشعب بات يعي كل أساليب الاحتلال وغطرسته وطرقه، وهو الأقدر على تحديد الأهداف والأكثر حرصاً على رفع سوية النتائج التي يطمح لنيلها. المهم بالأمر أن أي انسحاب عن أي شبر حياداً عن الآليات المتبعة،يقع في حيز استمرار الصراع وليس الارتهان إلى الأعداء كما يحاول البعض إشاعة مثل هذه المقولات، وأن الجلاء عن الأراضي الفلسطينية هي بكل تأكيد نتيجة لاستمرار الصراع التناحري بكل الوسائل العسكرية والسياسية على حد سواء. ـكاتب فلسطيني