يبدو أن عهد القذف بالحجارة في الأرض الفلسطينية المحتلة يتلاشى سريعاً مفسحا المجال لعهد الكفاح المسلح. هذه هي الحقيقة التي يجب ان تدركها الحكومات العربية الآن وتتصرف على اساسها حيال الانتفاضة. ولن تستطيع الحكومات ان تبلغ هذا الادراك اذا لم تنتبه اولا الى ان عهد بيانات الشجب قد صار في ذمة التاريخ. لقد ضبطت قوات البحرية الاسرائيلية مؤخراً سفينة صيد لبنانية تحمل شحنة كبيرة من الاسلحة والذخائر المتنوعة مرسلة من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة» التي يتزعمها احمد جبريل الى غزة لتتسلمها القيادات الشعبية للانتفاضة. وليس المغزى الاكبر لهذه الحادثة هو ان اسرائيل تمكنت من وضع يدها على هذه الشحنة الخطيرة وانما المغزى هو ان منظمات شعبية قررت ان تتصرف في ظل سلبية الحكومات العربية على خلفية التصعيد النوعي الاسرائيلي للقمع الوحشي للجماهير الفلسطينية والصمود المتعاظم للانتفاضة. اننا بازاء نقطة تحول تاريخية نستشرف سواء بوعي او دون وعي مرحلة نوعية جديدة في مسار النضال الفلسطيني. فالقيادات الشعبية للانتفاضة اخذت تعيد الاعتبار لتلك الصفحة من «الميثاق الوطني الفلسطيني» التي الغاها الرئيس عرفات والتي تحمل عنوان «الكفاح المسلح» هنا نشهد التاريخ يعيد نفسه بصورة عكسية مما يدل، أولا ان القيادة التقليدية الفلسطينية التي طغت صورتها على المشهد العربي العام لمدى أكثر من ثلاثة عقود تتراجع الآن الى الخلفية مفسحة المجال لجيل جديد من القيادات التي لم تنشأ سياسيا داخل غرف المفاوضات وانما وسط الجماهير في الشارع العريض. شحنة الاسلحة التي أرسلتها جماعة احمد جبريل تعكس رمزيا هذا التحول التاريخي في المسار الكفاحي الفلسطيني واذا كانت هذه الشحنة على وجه التحديد كان نصيبها الضبط اسرائيليا فإن التحقيق الذي اجرته السلطات الاسرائيلية كشف ان هناك شحنتين سابقتين وصلتا بالفعل الى العنوان المقصود. المغزى الحقيقي اذن هو أن «هوائيات المنظمات الشعبية العربية أفضل التقاطا للتغيير التاريخي من الحكومات ويمكن القول الآن ان الخطوة التالية في هذا الاتجاه هي ارسال مقاتلين متطوعين. أجل إن الاعتراك الخطير الذي تتصاعد وتائره على نحو يومي في الأرض المحتلة تتضاعف معه معدلات سقوط الشهداء الفلسطينيين. لكن في عصر البث التلفزيوني المباشر بالاقمار الصناعية والفضائيات التي تجتاز الحدود الجغرافية الى داخل المنازل من الخليج الى المحيط ينبغي ان نتنبه الى المشاهد المتسارعة التي تنقلها الشاشات ساعة بعد ساعة من التحامات وجنائز مما يؤدي الى اشعال المشاعر ومضاعفة الغضب. من هنا سوف ترتفع الاصوات الشعبية في انحاء العالم العربي تطالب الحكومات بارسال امدادات السلاح الى الاشقاء الفلسطينيين ورويدا سوف تترجم الاصوات الى طوفان من الصيحات المتعاظمة. ومع احتداد المشاعر العامة باستمرار الصمود القتالي الفلسطيني سوف تتفاعل المنظمات الشعبية مع متطلبات المشهد الدموي في الأرض المحتلة في غياب التحرك على الصعيد الحكومي.