في سنة 1920 سلمت عصبة الأمم فلسطين الى بريطانيا كي تفرض عليها وصاية شبه استعمارية تحت شعار (الانتداب). وفي سنة 1948 سلمت بريطانيا فلسطين ذاتها أو هيأت مأساة نكبة تسليمها الى مادة المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني (اسرائيل) وفي سنة 2000 سلمت تيارات التعصب القهري والارهاب الصهيوني فلسطين المحتلة (في عامي 1948 و1967) الى ارييل شارون وهو أحدث حلقة خبيثة من سلسلة الارهاب الصهيوني التي بدأت من فلاديمير جابوتنسكي في الثلاثينيات وتوسطها مناحيم بيجين في الأربعينيات الى أن أسلمت مقاليدها الملطخة بالدم الى شارون مع بدايات القرن الحادي والعشرين. 3 أسس للصهيونية ليس صدفة اذن ان يستعيد شارون في الأيام القليلة الماضية تقاليد السنوات الأولى التي شهدت قيام كيان الاستيطان العنصري في اسرائيل. هكذا يلاحظ الكاتب الكبير (ويليام فاف) (في مقال مهم نشرته صحيفة لوس انجلوس تايمز الأمريكية ونقلته جريدة هيرالد تربيون في طبعتها الدولية). ان (فاف) يرى في تصريحات شارون مؤخرا نوعين (الرؤية الصهيونية الجديدة) وقد نخالفه نحن في مسألة الجدة أو الحداثة فما نحسب الا أن شارون كان يصدر في تصريحاته هذه عن نفس الرؤية الصهيونية الدوجماتية المتصلبة والمتعصبة التي قام عليها الفكر الصهيوني المستند الى عناصره التقليدية الثلاثة: ـ التعصب العنصري الاستعلائي. ـ مخطط التوسع الاقليمي على حساب أرض الآخرين. ـ استخدام الارهاب المدجج بأحدث أسلحة العصر والمستند الى اقوى كيانات العصر السياسية وسيلة لوضع هذا المخطط من التوسع الاقليمي موضع التنفيذ. تصريحات خطيرة مليا توقفنا مع الكاتب ويليام فاف (عن التصريحات الخطيرة التي أدلى بها شارون مؤخرا الى صحيفة (هاآرتس) الاسرائيلية والى مجلة (لوفيجارو) الفرنسية ولقد استخرج منهما (فاف) نتيجة لخصها بشكل عام حين قال: ـ ان هذه التصريحات بكل خطورتها هي التي تفسر سياسة اسرائيل وماستكون عليه طالما بقى ارييل شارون رئيسا لوزرائها.. ـ نعم. هنا لا مجال لمجاملات الدبلوماسية التي قد يلجأ اليها ثعلب عجوز مثل شيمون بيريز. ـ لا مكان للعبة المزدوجة القديمة والمستهلكة التي طالما قسمت ساسة اسرائيل على نحو ماذهب اليه يوما يوشوفاط حركيبى الى صقور وحمائم. الكل اذن صقور.. أو في أهون الأحوال.. العقبان الجوارح باتوا أصحاب القرار الحاسم والنهائي في اسرائيل وهؤلاء يلخص حركيبي موقفهم في سطور حاسمة بدورها (في مقاله الشهير المنشور عن الموضوع في مجلة الأزمنة الحديثة الفرنسية صيف عام 1967). انهم ينطلقون من التسليم بان على العرب أن يعترفوا بأولوية حقوق اليهود في فلسطين وعليهم ان يتنازلوا بالتالي عن أرض (اسرائيل). ويقولون أن هذه الأرض لم تشغل يوما في تاريخ العرب المكانة التي شغلتها في تاريخ اليهود اذا لم يشكل هذا البلد (فلسطين) في يوم من الايام وحدة عربية مستقلة بل كان دوما جزءا من وحدة أوسع. ـ أكثر من هذا يضيف حركيبي: قد يذهب أصحاب هذا الموقف (الصهيو ني) المتصلب الى حد الاعتراف بأنه يحق للعرب أن يعتبروا اغتصاب هذه القطعة من الأرض (فلسطين) عملا ظالما الا ان هذا الظلم أقل خطورة من ظلم يقع على اليهود اذا لم يعطوا هذه الأرض على سبيل تعويضهم (عما لاقوه من شتات واضطهاد). لا حلول وسطاً وعليه، يحق لنا أن ننبه السادة اصحاب القرار في العالم العربي الى ان لا سبيل في تصورنا الى أى حلول وسط أو أي نقاط التقاء أو أى توافق آراء مع المنظومة التي يتربع على رأسها حاليا ارييل شارون بصرف النظر عن وجود أو عدم وجود دعم أمريكي يستند اليه في مايمارسه حاليا من عمليات ارهاب الدولة بدعوى محاربة.. الارهاب! شارون في تصريحاته التي المحنا اليها يؤكد من جديد على حكاية شبر الأرض حين يقول: الناس في زماننا هذا لم يعد يثيرهم فكرة أن تكسب اليوم هكتارا من الأرض ثم تعمل على كسب هكتار جديد آخر غدا أو بعد غد.. وكله لصالح اسرائيل.. أما أنا فلا يزال هذا الشعار يثيرني الى حد كبير. في هذا السياق يلاحظ الاستاذ ويليام فاف.. ان شارون لا يتورع عن استعادة نفس الشعار (الاستيطاني الاستعماري التوسعي الأقواس من اضافتنا) الذي كان سائدا أيام الانتداب البريطاني على فلسطين في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات. ادعاءات بشأن القدس وفي اطار هذه الدوغماتية هذا المتصلب في شرايين الفكر والمذهب.. كان من الطبيعي ان يعاود شارون تأكيده على ان القدس غير قابلة للتفاوض لماذا؟ (لأنها ظلت عاصمة الشعب اليهودي كما يزعم شارون بالحرف.. منذ أيام الملك داوود.. بل هاهو شارون يحدد بالتوقيت الدقيق أن ذلك كان منذ 3004 سنة بالضبط.. ومن ثم فهي القلب النابض للشعب اليهودي وليس لاسرائيل حق في التخلي عنها أو في أن يشرك أحداً فيها. لأنها لا تخص اسرائيل بل تخص يهود العالم بأسره) وشارون في هذا السياق بالذات يطلق المقولة الضد كما نسميها.. وهي التي قد نطمح للرد على التصريحات التي نراها موضوعية، وكانت قد صدرت عن أوساط عربية وأكدها مسئولون كبار في العالم العربي.. نذكر بينهم الرئيس المصري حسني مبارك.. (وكان ذلك كما قد تذكر أيام كامب ديفيد الثانية وخلال مفاوضات الثلاثي عرفات كلينتون باراك) حين أكد مبارك ان عرفات لا يملك اعطاء تنازلات تتعلق بمدينة القدس.. فهي لا تخص الفلسطينيين فقط ولكنها تخص المسلمين والمسيحيين في جميع انحاء العالم. وفيما يتأكد هذا الحق لمسلمي عالمنا ومسيحييه من واقع المعالم المادية الاثرية وغير الاثرية الماثلة للعيان.. في مدينة القدس وفي محيطها المعماري.. فقد شاءت ادارة شارون الصهيونية ان تمارس عملية التفاف على هذا الواقع المغروس موضعيا في تربة التاريخ، وهي ايضا عملية التفاف بأسلوب الانقضاض على ذلك التاريخ المتصل والمؤكد موضوعيا بشواهد الواقع المعمارية والمادية والديمغرافية وعملية الالتفاف بالانقضاض هذه أشتهر بها تحديداً الجنرال شارون منذ أيام ثغرة الدفرسوار في حرب قناة السويس 1973 وهاهو يستعيد أسلوبها فيلتف من حول الواقع والتاريخ بواسطة تركيب أجهزة الكترونية في مدينة القدس تستخدم تكنولوجيا الايهام الحاسوبي وتتوسل بقدرات الحاسوب والكومبيوتر في خلق أو اختلاق وفي صنع أو بالأدق اصطناع مايصفه الاختصاصيون بانه الواقع المتخيل أو الحقيقة المصنوعة.. ومن ثم يعمل الحاسوب على استيلاد صورة موهومة لما يسميه الخيال الصهيوني بالهيكل التاريخي ويحاول من ثم اختلاق روابط تاريخية كما يدعي بين القدس واليهود الصهاينة وهي روابط لا تمت بأى صلة لا الى الحق ولا الحقيقة ولا التاريخ. اسرائيل وارهاب الدولة شارون يتبرع في تصريحيه الى (هاآرتس ولوفيجارو) بتأكيد احترامه للاتفاقات الموقعة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية.. وهو طبعا يترجم هذا الاحترام الى غزو يومي ومداهمة تتم في كل حين للأرض الداخلة في حوزة السلطة الفلسطينية والواقعة تحت سيطرتها بموجب الاتفاقات المذكورة.. ناهيك عن زيادة هذا الاحترام مترجمة الى استخدام المروحيات والصواريخ لقتل المدنيين في المخيمات ولتدبير مؤامرات صغيرة على طريقة عصابات الجريمة المنظمة المافيا وغيرها لاصطياد واغتيال قيادات الشارع الفلسطيني المجاهد والمرابط والمقاوم. في ضوء هذا السخاء من شارون فهو يتصور كما يؤكد في تصريحاته قيام دولة فلسطينية.. وهذا ماتعمد الى تصويره وتأكيده والتمويه به في الميديا العالمية أجهزة (البروب اجاندا) الصهيونية وسدنتها في أوروبا وأمريكا.. نعم شارون.. رجل السلام.. (لم يقولوا بعد على طريقتنا رجل البر والتقوى والاصلاح) شارون مستعد لقيام دولة فلسطينية. لكنه يواصل كلامه ليوضح انها قد لن تقوم على أكثر من 42 في المئة من مساحة الأراضي المحتلة (منذ عام 1967). وهنا يعلق ويليام فاف قائلا:ان هذه المساحة تعادل تقريبا المساحة التي تقوم عليها حاليا وبالفعل السلطة الفلسطينية وتمارس عليها اليوم نفوذها الاسمى أو سيطرتها المفترضة. معنى هذا يواصل ويليام فاف مقولاته التي قرأها الغرب ولا شك مع مطلع شهر مايو الحالي معناه أن لا أرض جديدة للفلسطينيين اللهم الا اذا انصاعوا تماما الى ما يريده شارون.. دع عنك ان شارون يواصل تصريحاته مؤكدا ان لا سلاح للفلسطينيين فهي دولة ان قامت ستكون مجردة من السلاح.. ولا سيادة لها على حدودها ولا على مجالها الجوي والاقليمي. وماذا عن المستوطنات؟ الاجابة قاطعة عند شارون وقد أعلنها في التصريحات التي نحيل اليها في هذه السطور: الصورة حاسمة وقاطعة لا اخلاء لأى مستوطنات قائمة ولا حتى في غزة حيث جميع المستوطنات مهمة لاسباب صهيونية وحيث (مستعمرات) غزة مهمة لاسباب استراتيجية (يلاحظ أن الكاتب ويليام فاف عمد الى استخدام مصطلح (مستعمرات كولونيز في معرض اشارته الى المستوطنات المستعمرات الصهيونية في قطاع غزة). المفتاح هو السيطرة مفتاح الموقف اذن عن شارون يتلخص في كلمة وحيدة.. السيطرة، سيطرة الاحتلال الصهيوني على الطرق المؤدية الى كل مسالك المناطق الفلسطينية ودروبها.. وعلى اجواء السماء ومناطق البر والبحر وعلى طول خطوط الحدود على ماأسماه المحتل الغاصب باسم مناطق الآمن ثم.. و.. وهذا هو المهم على موارد ومناسيب المياه اللازمة بشكل حيوى للفلسطينيين وللاسرائيليين. حاول الصحفيون الذين حاوروه أن يشيروا الى غضبة الفلسطينيين وتمردهم (الطبيعي كما تؤكد) على خضوعهم بشرا وارضا ومقدرات تحت سطوة احتلال يرونه غاصبا وغاشما واجنبيا شأن كل احتلال في التاريخ.. رفض شارون أي حديث عن الاحتلال أو الاستعمار الصهيوني.. وختم تصريحاته بطرح أفكار نراها في غاية الأهمية ان لم تكن غاية الخطورة بالنسبة لمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي. وهذه الأفكار خطيرة لأنها لا تقصر الرؤية الصهيونية على ثنائية اسرائيل فلسطين بل توسع الاطار ليصبح صراعا بين العرب والمشروع الصهيوني.. انها تراهن على الزمن والمستقبل تحت مقولة ان الزمن مع التطور التكنولوجي سيكون لصالح اسرائيل.. وفي هذا بالتبعية رهان على التخلف العربي، والعجز العربي واللامبالاة العربية. ان الرهان كما يقامر به شارون، ومعه سائر قوى اليمين الصهيوني لا يتوخى مساحة زمنية مطولة بل هو يتوقع أن يرى نتائج تتحقق لصالحه وضد مصالح النظام الاقليمي العربي بأسره في مدى قصير للغاية يتراوح كما يقول شارون نفسه بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة فقط لا غير. العرب بعد 15 سنة ماذا يتوقع شارون خلال هذه المدة الزمنية القصيرة انه يقول: في هذه المدة سوف يطرأ انخفاض بالهبوط على أسعار البترول وبعدها تواجه الأقطار العربية أزمة فيما تكون اسرائيل قد دعمت نفسها.. سيأتي الينا مليون من المهاجرين اليهود الجدد وستكون صحراء النقب قد تم تطويرها (بمعنى تعميرها) كما سيتم اصلاح التعليم الاسرائيلي طبقا للمبادئ الصهيوني (يقصد الاستعلاء العنصري والتوسع الاقليمي والاستيطا ن الكولونيلي المسنود بدعاوى توراتية.. الخ). ويلخص ارييل شارون هذا الرهان على المستقبل القريب فيقول: في مدى 15 سنة تنعم اسرائيل باقتصاد مزدهر فيما سيكون العالم العربي في حال من الاضمحلال.. الزمن اذن ليس ضدنا ونحن بحاجة لكسب الزمن. ورغم مانتصوره من أن هذا الحديث بكل استفزازه موجه بالدرجة الأولى الى الناخبين في اسرائيل.. وان الرهان على الزمن، بهدف كسب الوقت.. هو آلية لا يعتمدها سوى حاكم لا يعرف نظامه طعم الاستقرار الحقيقي ناهيك عن حاكم يمارس لعبة التطرف في الرؤية وفي الحسابات الى أقصى مداها: مليون مهاجر يهودي.. انهيار العالم العربي.. هبوط أسعار البترول (كأنما لم يكن هناك عالم عربي قبل البترول) ومع ذلك فنحن بلا شك ازاء (حالة شديدة الالتهاب وبالغة الخطورة من حالات المزايدة السياسية التي قد تدفع بصاحبها أو بأصحابها الى قرارات مدمرة في بعض الأحيان. إن الكاتب (ويليام فاف) يصف تصريحات شارون هذه بأنها تعبر عن رؤية متجانسة وانها كانت رؤية الجناح اليميني من الحركة الصهيونية منذ البداية، وهي تفسر دوافع شارون وطموحاته بالنسبة لاسرائيل. (وخطورة) هذه الرؤية تنبع كما يضيف فاف من تسليمها بان حرب 1948 لم تنته بعد ولو كانت هذه الحرب لم تنته حقا في ذهن الاسرائيليين فمعنى ذلك لم يكن هناك سلام في يوم من الأيام وأيا كان الأمر.. فها هو العدو الصهيوني يوضح رؤيته ازاء مستقبل العرب الذي يراه كالح السواد خلال فترة لا تزيد على 15عاما. والرهان هنا على انخفاض عوائد النفط وعلى تعمير الصحراء واستقبال مهاجرين جدد وعلى أمعان الحياة العربية في التخلف والتشرذم والانقسام. ونحسب ان هذه (وصفة) تبرع بها ارييل شارون من حيث لا يدري.. لكي يدفعنا الى مراجعة مانحن فيه.. والى المبادرة الى تنفيذ الوصفة الشارونية.. ولكن بالعكس.. حيث يتم ترشيد استثمار مواردنا.. ويتم رأب الصدوعات في نظامنا القومي.. ويتم توجيه مواردنا وامكاناتنا الى حيث امكانية التواجد فالاستمرار ومن ثم المشاركة الفعالة في عصر العلم والتكنولوجيا ساعتها تحبط أحلام شارون وتذهب رؤيته الخبيثة ادراج الرياح. ـ كاتب سياسي من مصر