«الغُصة الأولى» المذيع «بشنباته» الكثيفة يضع رجلاً على رجل يقلب أوراقاً ويعيد ترتيبها في يديه عشرين مرة قبل أن يسأل سؤالاً لتلك المطربة الصاعدة اللامعة، التي أضحت بين يوم وليلة «علما على رأسه نار» في عالم أصبح فيه مطربون من الدرجة العاشرة أشهر من رؤساء دولهم. وفي حضرة تلك المطربة تجلس على يسارها مذيعة تلبس ثيابا لو خلعتها لما كان عليها ملامة في عصر أضحت فيه القنوات معارض شوهاء لأجساد الغانيات. والمذيعة والمذيع يحتفيان بتلك الصاعدة إلى الهاوية وكأنها جمعت فأوعت الفكر كله يسألانها في الفكر والسياسة والقومية والدين حتى يكادا ان يستفتياها فتجيب، وأمام الشاشة الصغيرة عالم في اللغة والادب العربي قرأ كتب العالم عربيها واجنبيها حتى حارت به الكتب وحار بها وضاقت به ولم يضق بها يجلس امام الشاشة في غرفته الصغيرة في بيته الحقير الفقير وليس الأمر انه لا يجد لقاء تلفزيونياً كهذا الذي تحظى به هذه المطربة من الدرجة العاشرة بل لا يجد بيتا يسكنه هو وأولاده فهو منذ ان خلق يسكن بالايجار ينتقل من جحرٍ الى جحر ويقعد قعدته امام التلفاز تلك يقلب يديه ويردد قول نزار قباني في عصر زيت الكاز يطلب شاعر ثوباً وترفل في الحرير «.....»؟ أوليست تلك بغصة؟ الغصة الثانية شاب رأسه وتهدلت أجفانه وأصابه المرض الرعاش «الباركنسون» وها هو يقبع في بيته الصغير وحيداً مع عجوزه الوفية التي عاش عمره يزعجها وينغص عليها حياتها لكثرة اهتمامه بمباريات النادي الذي يشجعه ويلحق به من بلد إلى بلد يحضر مبارياته ويكاد يقاتل الناس على الفخر به حتى ذهب الزمان وذهب الشباب وناديه مازال فتيا يحرق الشباب ويبقى لكنه لا يشفي الغليل والحبيب عاشق متيم بلا عائد واللاعبون يأتون ويذهبون يحصلون ويأخذون وهذا المشجع يعطي من أعصابه حتى آخر رمق ولا يزال يعيش في بيته القديم يصرخ ويلهج بذكر النادي ولو أضاع حياته ينادي على بيع السيارات القديمة في الحراج لكان غنيا في أيامه هذه. الغصة الثالثة مُدِرّسه في الاعدادية كان شابا وسيما فتيا برغم تجهمه وصرامة وجهه كان يحترمه ويكن له حبا. لقد كان يدرس مادة الرياضيات التي يعتبرها خليفة الغازا وكان ينجح فيها بشق الأنفس. ومرت الأيام وأصبح خليفة مذيعاً مشهورا يعرفه أكثر الناس لظهوره الاعلامي الكثير ومن بين اولئك مدرسه «عبدالعظيم» الذي انقطع عن عالم خليفة أكثر من عشرين سنة وفي حفل زفاف صاحبه سلطان فوجئ بهذا الرجل الأشيب يمسك بيد ويشده على يده ويقول له «خلفون» ويتذكر خليفة تلك الكلمة ويعرف مباشرة استاذه القديم ويعانقه ويقول له معقول هذا أنت يا استاذ ويرد الاستاذ نحن نعرفك يا استاذ خليفة أصبحت مشهورا جدا. ويرد خليفة وانت يا استاذ في أي مدرسة أنت الآن هل أصبحت مدرس ثانوي، في أي مدرسة أنت؟. يرد الاستاذ بل أنا لست مدرسا الآن. أنا لدي محل بيع سيارات مستعملة والحالة ميسورة «والاشيا معدن». وكيف تحول المدرس إلى بائع سيارات؟ إنها الحياة، التعليم لا يطعم إلا القليل من الخبز.