حملت انتفاضة الأقصى المباركة ومنذ انطلاقتها شعاراً جديداً دخل إلى حلبة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وتميز هذا الشعار عن الشعارات السابقة حتى في الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وذلك لاختلاف ظروف الانتفاضتين والتمايز بينهما في طبيعة البنية الاستراتيجية القائمة لكل منهما، فانتفاضة الأقصى تميزت عن الأولى بالمكان حيث انطلق الفلسطينيون من حيز مكاني يدعى بالمنطقة «أ» حسب تقسيمات أوسلو وهذا لا يعني أن المناطق «ب» و«ج» لم تشاركان في الانتفاضة بل على العكس فقد رأينا في هذه الانتفاضة شمولية مختلفة امتدت إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وسقط من أبناء تلك المناطق عشرات الشهداء، ولكن خصوصية المنطقة «أ» وهي المنطقة التابعة للسلطة الفلسطينية بشكل كامل أعطاها واقعاً جديداً وشكّل نقطة قيادة بالنسبة لحركتها حيث الانطلاق من الأرض يعتبر جزءاً مهماً في حركة الجماهير الفلسطينية التي ما زالت تقدم شهداء الوطن في سبيل الوطن. وجاء الظرف الزماني ليشكل ميزة أخرى لطبيعة الانتفاضة، فصحيح أن الشرارة الأولى انطلقت رداً على تحدي أرييل شارون للشعور الفلسطيني إلا أن الأراضي الفلسطينية كانت تعيش حالة من عدم الاستقرار نتيجة لفشل المفاوضات وتعثرها مما سبب ضغطاً شديداً على الفلسطينيين فالتهب غليان الشارع وكان انتخاب أرييل شارون رئيساً للوزراء خلفاً لإيهود باراك نقطة جديدة في مسيرة الانتفاضة أدى إلى استمراريتها وتصعيدها خاصة بعد حالات الأراضي الفلسطينية التي قام بها الجيش الإسرائيلي، وضمن هذه الظروف فإن الواقع يؤكد أن الانتفاضة المباركة ما زالت مشتعلة بل هي أشد اشتعالاً من بدايتها والقمع الإسرائيلي يزداد يوماً بعد يوم ضد أبناء الانتفاضة، ولكن الصورة الإعلامية الحالية تدل على فتور في التعاطي مع الحدث سواء عربياً أم دولياً ما دفع البعض للاعتقاد أن لهيب الانتفاضة قد بدأ يخمد ولذلك ظهرت مستويات متعددة تطالب بوقف الانتفاضة آخذة أساليب مختلفة في تعاطيها مع هذه الدعوات ورؤى متباينة لجدوى الاستمرار، وسواء كانت تلك الدعوات بحسن نية أو غير ذلك فهي تبدو إشكالية جديدة تتداخل مع مفهوم الانتفاضة وأهدافها وتطلعاتها. إشكالية جديدة إن الاشكاليات التي تمر بها الانتفاضة هي كثيرة والتحديات التي تعيشها تبدو أكثر ومع ذلك فإن استمراريتها دليل قوة وليس دليل ضعف، وإذا كانت هذه الحركة الجماهيرية قد استطاعت ان تصمد هذه الفترة الطويلة نسبياً ضمن الظروف التي يعيشها الفلسطينيون فإنها قادرة على الصمود أكثر من ذلك لأن لها هدفاً نبيلاً ومحدداً، ولكن هذا الصمود يبدو الآن مرهون بمجموعة من الوقائع كان أهمها وما زال ضعف البنية الاقتصادية الفلسطينية وهي بطبيعة الحال بنية جديدة لم تستطع أن تؤسس قاعدة اقتصادية متينة منذ اتفاق أوسلو إلى ما قبل الانتفاضة التي جاءت لتضع الاقتصاد الفلسطيني على المحك وهو اقتصاد يعتمد بالأساس على الدول المانحة وعلى العمال الفلسطينيين داخل ما يسمى بالحزام الأخضر. ومنذ بدء الانتفاضة قدرت الخسائر الفلسطينية بحدود أربعة مليارات دولار، وأصبح وضع الأراضي الفلسطينية وضعاً شديد الصعوبة حال الشريحة العظمى من الشعب وصار المواطن يبحث عن لقمة عيشه بيد ويضرب حجراء باليد الأخرى. وأمام هذا الوضع الذي ندعوه بـ «الاستمرار» في الانتفاضة بدأت تظهر هنا وهناك بعض الدعوات لوقف الانتفاضة وخاصة بعد المبادرة المصرية ـ الأردنية التي تحدد أشكالاً جديدة للحوار بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية ولكن وكما بات معروفاً فإن الحكومة الشارونية تريد إفراغ هذه المبادرة من محتواها وبالمقابل فهي تسعى ضمن أولويات رؤيتها الخاصة إلى وقف الانتفاضة التي تدعوها بـ «العنف» حيث صار مصطلح العنف ـ وللأسف ـ بديلاً عن الانتفاضة حتى في بعض وسائلنا الإعلامية. والدعوة لإيقاف الانتفاضة باتت ترتكز على عاملين رئيسيين يحددان أسبابها ولكن ضمن هذين العاملين نرى دعوات عاطفية لا تخرج عن كونها لا تحب منظر الشهداء وتعطف على أمهاتهم وحسرات أهلهم وهي دعوة قائمة على حسن نية أصحابها وعواطفهم التي ترى أن العرب وقفوا عاجزين عن دعم الانتفاضة والفلسطينيين يقدمون أرواحهم أمام آلة الحرب الصهيونية. وتأتي دعوة أخرى مختلفة بأيديولوجيتها حيث تتساءل مباشرة: ماذا قدمت الانتفاضة وهل يمكن أن تستمر ضمن ظروفها الحالية وإذا استمرت ما مدى استمرارها على المستوى الجغرافي والزمني؟! بل أصبح البعض يرى أن إسرائيل سوف تحتل المنطقة «أ» خاصة بعد وصول شارون إلى رئاسة الوزراء. ويتابع هؤلاء تقديم حججهم ليقفوا على عواطف الأمهات الفلسطينيات اللواتي يقدمن بشكل يومي فلذات أكبادهن!! وقبل الإجابة عن هذه الدعوات لنرى الإجابة الأهم وهي من الأمهات الفلسطينيات، فرغم الجرح الكبير والعظيم الذي يصيب أمهات الشهداء بفقد أبنائهن أتساءل: هل رأينا أو سمعنا عبر وسائل الإعلام عربية كانت أم غربية عن أم تدعو إلى وقف الانتفاضة لأنها فقدت أحد أبنائها؟ مع الملاحظة أن وسائل الإعلام الغربية تبحث عن هذه الأم ولكنها لم تجدها حتى الآن! بل على العكس فإننا نجد أن سقوط شهيد من شهداء الانتفاضة يشعلها ويزيد من ثورتها. لذلك فإن تلك الدعوة دعوة فردية أرادت أن تتستر بثياب العاطفة. فشكراً لأصحابها الذين لا يبتغون سوى الوصول إلى الاتجاه المعاكس!! رد الانتفاضة لا أحد ينكر أن الانتفاضة في بدايتها قد شغلت العالم وليس فقط الوطن العربي الذي التهب مؤيداً من المحيط إلى الخليج ولكن ماذا قدمت الانتفاضة إلى الآن وكيف ترد على من يدعو إلى وقفها؟! يمكن أن نقرأ هنا رد الانتفاضة وعلى جميع المستويات، فالمستوى المبدئي والمهم هو أنها حافظت على كرامة الشعب الفلسطيني الذي حوصر في نهاية عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وحصار هذا الشعب جاء من خلال الضغط الأمريكي على القيادة الفلسطينية كي تقدم التنازلات التي ترغب بها إسرائيل ورئيس وزرائها آنذاك إيهود باراك، والكل يعرف أن هذا لم يحصل ولم يتوج بيل كلينتون بطلاً للسلام على حساب الفلسطينيين ولم ينجح إيهود بارك برئاسة الحكومة الإسرائيلية، بل تفتخر الانتفاضة بأنها أسقطت رئيس وزراء إسرائيلي (باراك) حتى وإن كان بديله اليميني المتطرف أرييل شارون، وتبقى هذه نقطة مهمة للانتفاضة وهي أنها استطاعات أن تؤثر على القرار الإسرائيلي بدل أن تؤثر إسرائيل على القرار الفلسطيني. ومن جانب آخر فقد أجبرت الحجارة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية على التراجع عن مواقف معلنة أولها أن شارون الذي رفض باستمرار العودة إلى المفاوضات قبل توقف الانتفاضة أرسل ابنه للاجتماع مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ورغم رفضه المتشدد حينما عرضت عليه المبادرة المصرية ـ الأردنية أعلن أنه يدرسها وأرسل وزير خارجيته للاجتماع مع الرئيس المصري حسني مبارك. وكما هو معروف فإن أرييل شارون وفور فوزه بالانتخابات بدأ يظهر قوته ويرفض التدخل الأمريكي ولكن وجدنا مؤخراً أن وزير خارجيته شيمون بيريز طالب الولايات المتحدة بلعب دور نشط في المفاوضات. وبدأت إسرائيل تبحث عن المساعدات الاقتصادية الجديدة لـ (قمع الانتفاضة)، فها هو وزير الخارجية الأمريكي يعلن أمام إحدى لجان الكونجرس «أن إسرائيل طلبت من واشنطن مساعدة تصل إلى مليار دولار لتسديد نفقات عسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة» وأعلن وزير الخارجية أن الطلب الإسرائيلي تدرسه واشنطن. ورغم علمنا أن إسرائيل لا تتردد وباستمرار في طلب المساعدات إلا أن الواقع يؤكد أن ثورة الحجارة أربكت اسرائيل اقتصادياً كما أربكتها عسكرياً فإسرائيل تعرف أن أسلوب احتلال الأراضي الفلسطينية في المنطقة «أ» هو أسلوبها الأخير في قمع الانتفاضة وقد واجهت الاعتراضات الدولية وعلى رأسها اعتراض الولايات المتحدة التي طالبتها بالتراجع. وهي بادرة جديدة لم تكن إسرائيل تتوقعها من الولايات المتحدة. وما أقلق إسرائيل أكثر من ذلك هو تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية برئاسة السناتور الأمريكي السابق «جورج ميتشيل» الذي قدم تقريره للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كي يدرساه قبل الإعلان عنه، ولكن أرييل شارون لم يستطع صبراً فأعلن في اليوم الثاني رفضه إيقاف الاستيطان كون التقرير يركز على أن الاستيطان سيفجر الوضع أكثر مما هو عليه، كما اعترض شارون على عدم تحديد من هو المسئول عن اندلاع الانتفاضة؟ وكأنه هنا لا يعرف أنه هو!! وهذا التقرير رغم الثقة الكبيرة بأنه لن يكون عادلاً إلا أن بعض الإيحاءات الأمريكية أصبحت تقلق إسرائيل رغم اعتراف حكومتها أن الرئيس الأمريكي جورج بوش يعتبر أكثر الرؤساء دعماً لها. ولكن يبدو أن الولايات المتحدة ذاتها لا يمكن أن تظل صامتة أمام ما تقوم به إسرائيل من مجازر وهذا لا يعني أن واشنطن ستقوم بتأنيب إسرائيل ولكن نبرة التنبيه لا تعرفها حكومة شارون عن الولايات المتحدة بل امتد الاعتراض لأوروبا فقد أصبحت أوروبا عبر وحدتها تنظر إلى إسرائيل نظرة مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل الانتفاضة ومن الاعتراضات الأوروبية على التصرفات الإسرائيلية رأينا مؤخراً أن وزير خارجية فرنسا يقول: «إن ما تقوم به إسرائيل قد يقود المنطقة إلى انفجار» وقدمت فرنسا ورقة للاتحاد الأوروبي تطالبه موقفاً موحداً حول علاقة الاتحاد مع الدولة العبرية كما طالبت بردة فعل واضحة وموحدة لإدانة إسرائيل وكذلك عبّر وزير خارجية الدنمارك موجينز ليكتوفت عن غضبه من التصرفات الإسرائيلية وطالب الاتحاد الأوروبي بوقف صادرات الفاكهة من المستوطنات الإسرائيلية وقال: «يجب أن تتوقف هذه التجارة غير المشروعة» وكذلك طالبت بلجيكا إسرائيل وقف اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني. والمعروف أن الاتحاد الأوروبي ما زال يؤيد قرارات الشرعية الدولية وإقامة دولة فلسطينية. إذن تعتبر الانجازات التي حققتها الانتفاضة هي الانجاز المهم جداً في تاريخ القضية الفلسطينية ويكفي أن نذكر أن إسرائيل خسرت أكثر من ثمانين قتيلاً خلال فترة الانتفاضة وهذا العدد لا يعادل جزءاً من شهداء الانتفاضة ولكن لنتذكر أن إسرائيل كانت تخسر سنوياً 20 قتيلاً في الجنوب اللبناني تحت ضربات المقاومة وخرجت من الجنوب تخوفاً من هذه الضربات. وهذه المقارنة تؤكد مدى فعل الانتفاضة التي يجب لها أن تستمر وبدل أن تبدأ الدعوات بإيقافها لماذا لا تتجدد دعوات دعم الأراضي الفلسطينية لأنها الآن بأمس الحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي والإعلامي؟ وكل أشكال الدعم نراها الآن خافتة لا تتجاوب مع تطلعاتها ورؤيتها المستقبلية وهدفها الأساسي وهو الوصول إلى الحق دون التنازل عن أي جزء منه فالدعوة الحقيقية تبقى هي الأقوى وهي دعم الانتفاضة لأنها لم تعد لخدمة الفلسطينيين فحسب بل صارت لخدمة العرب جميعهم. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق