السودان سجّل انتصاراً. وأمريكا حاقت بها هزيمة، وإذا كان مسرح المعركة هو اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، فما المغزى الحقيقي للانتصار والهزيمة، وهل يعني بالضرورة أن العالم، اقتنع بأن سجل حقوق الإنسان في السودان صار ناصعاً؟ لنقرر أولاً حقيقة لا ينبغي أن تكون محل جدل وهي أن حقوق الإنسان كما تطرح في ساحة الواقع الدولي أبعد ما تكون عن مسألة سلوك أخلاقي كما يجب أن تكون. هي أولاً وأخيراً قضية سياسية تستغلها القوى الدولية الكبرى كأداة لدفع مصالح أو درء أضرار أو تصفية حسابات. في هذا الإطار تدخل حادثة انتصار السودان وهزيمة الولايات المتحدة من حيث أن الواقعة تعكس مصارعة على صعيد القوى الدولية نفسها. والمصارعة نفسها تعكس قيام اصطفاف دولي جديد فيما يبدو ضد الولايات المتحدة. هذا بدوره يطرح سؤالاً: لماذا تحمل الولايات المتحدة على السودان ـ الدولة الفقيرة ذات الموارد المتواضعة والحضور الدولي الضئيل ـ في هذا السياق مسئولية هزيمتها في اللجنة الدولية لحقوق الإنسان متجاهلة حقيقة التمرد الدولي المتنامي ضد واشنطن؟ ما جرى للولايات المتحدة كان عملية تصويت سري في «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» التابع للأمم المتحدة... وهو الهيئة المكلّفة بانتخاب عضوية لجنة حقوق الإنسان. وكان من نتائج عملية التصويت هذه أن انتخب السودان بينما سقطت عضوية الولايات المتحدة لأنها لم تحصل على ما يكفي من عدد الأصوات. وإذا كانت العملية تبدو ظاهرياً كعملية ديمقراطية فإن مخبرها ليس كذلك. فنتائج التصويت لا تعكس قناعات مثالية أخلاقية انتصرت لصالح السودان ولم تنتصر للولايات المتحدة. وضع القضية على هذا النحو تبسيط مُخل تماماً. إن السودان قد انتصر لأن هناك قوى دولية أرادت له أن ينتصر. وبهذا المعنى أرادت هذه القوى الدولية أن تُبلغ واشنطن بأنها اعتزمت التمرد على السياسات العالمية للولايات المتحدة وعلى فرضية «السيادة الشرعية» الأمريكية للعالم بما ألحق أضراراً بالمصالح الحيوية لهذه القوى الدولية. وهذا المعيار ينطبق أيضاً على الوجه الآخر للعملة، هو الهزيمة الأمريكية. إذن موضوع حقوق الإنسان لم يكن من الناحية الفعلية على جدول أعمال الاجتماع الخاص بلجنة حقوق الإنسان، وبالتالي لم يكن وارداً النظر في سجل حقوق الإنسان في السودان (وهو في كل الأحوال سجل جيد بمقاييس الأوضاع السائدة في العالم الثالث). ما كان وارداً هو ذلك التناقض المتنامي تجاه السودان بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي من منظور تضارب المصالح الحيوية بين هذين الطرفين الدوليين. فبينما ظلت الولايات المتحدة تصنف السودان في ظل نظامه الراهن كدولة عدو من الدرجة الأولى وتلاحقه بحصار اقتصادي ودبلوماسي أخذت دول الاتحاد الأوروبي واحدة تلو الأخرى، خصوصاً فرنسا وبريطانيا وايطاليا وألمانيا وهولندا، تنتهج سياسات مختلفة تجاه السودان لغرض تحسين العلاقات معه وتقويتها في إطار المصالح المتبادلة في تحدٍ سافر لواشنطن. وصفوة القول إن نتائج عملية التصويت لعضوية لجنة حقوق الإنسان من حيث أنها هزيمة لطرف ما وانتصار لطرف آخر ليست سوى تسليط ضوء على حقيقة من عنصرين قائمة بالفعل: إن الوزن الدولي للولايات المتحدة نقص نسبياً بينما يرتفع نسبياً الوزن الدولي للسودان.