للتنشئة أساليب أو طرق. يمكن لأسلوب من أساليب التنشئة أن ينشيء على الشعور بالكرامة الإنسانية وعلى ممارسة الحرية والابتكار والتفكير بالمستقبل. ويمكن لأسلوب آخر أن يعيق نشوء هذه الصفات أو أن يؤخره، ويضعفه أو أن يحول دون نشوئه. ويسمى أسلوب التنشئة هذا بالأسلوب التقليدي غير الديمقراطي. وفقاً لأسلوب التنشئة هذا تولى السن أهمية كبرى ويعتقد بأن الصواب والحكمة هما قرينا السن أو أنهما مقصوران على المسنين وبأن الرجل أكثر حكمة ورشداً من المرأة وبوجوب طاعة المسنين والمسئولين في المجتمع ليس لصحة ما ينطقون به ولكن إجلالاً لهم ولمركزهم، وبأنه ينبغي للطلاب أن يقبلوا ما يقوله المعلم قبولاً سريعاً وتاماً دون مناقشة باعتباره حقيقة أكيدة لا يرقى إليها الريب، وبأنه يمكن للمعلم أن يضرب الطلاب وأن يهينهم دون مساءلة وبإفلات من العقاب. من شأن هذا الأسلوب أن ينشيء شخصاً مطيعاً مجاملاً قابلاً لما يسمعه ومنفذاً لما يؤمر به دون تقليب للأمر ودون إجالة للنظر في الوجوه الإيجابية والسلبية للأمر وسهل الانقياد ومستسلماً وراضخاً. علاقة هرمية ووفقاً للجو الذي يولده هذا الأسلوب من التنشئة لا تتاح للشباب الفرصة لأن يعربوا عن أفكارهم ومواقفهم ولأن يحققوا إمكانهم ولأن يحققوا شخصياتهم ولا يحق لهم مناقشة المسنين والمسئولين. ووفقاً لثقافة ذلك الأسلوب من التنشئة تعتبر المناقشة والجرأة الفكرية في الإعراب عن الرأي وعن الموقف وقاحة وسوء تنشئة، ويعتبر المطيع مؤدباً مهذباً. وفي ثقافة أسلوب التنشئة هذا يظن المسنون أنهم يعرفون الحقيقة وأن حكمتهم أوصلتهم إلى الحقيقة الكاملة. ووفقاً للثقافة التي يوجدها أسلوب التنشئة هذا يتمتع بالسلطة القانونية والأدبية والتقليدية الناس الأقوى والأعلى هرمياً في المجال الاجتماعي الأوسع حتى لو كان العيب يعتور كلام وعمل هؤلاء. ووفقاً للثقافة التي يوجدها أسلوب التنشئة هذا قد يعتبر الاختلاف خصومة أو عداء أو تمرداً أو مروقاً أو كفراً. وقد يتهم الشخص المخالف بأي من هذه «الجرائم» الشنيعة ويهان ويهاقب. ولدى الذين نشئوا هذه التنشئة ميل إلى عدم التغيير وإلى تفضيل القديم على الجديد وتخوف من غير المألوف ومن اكتشاف المجهول. في أسلوب التنشئة التقليدي العلاقة علاقة هرمية ذات اتجاه واحد من أعلى إلى أسفل. في هذه البنية يكون طرفان في العلاقة: الطرف المرسل والطرف المتلقي. الطرف المرسل لا يكون متلقياً والطرف المتلقي لا يكون مرسلاً. في هذه العلاقة يكون المرسل الرجل أو الشخص الأقوى أو الأكثر ثراء، ويكون المتلقي الشخص الأضعف أو الأكثر فقراً أو المرأة. وعن طريق هذه العلاقة يحصل التوجيه ويصدر الأمر. ومن المحظور على المتلقين أن يرفضوا التوجيه. هذه العوامل كلها تجعل شخصية المرسل تنزع إلى التيقن المطلق الذي لا يترك هامشاً لاحتمال ارتكاب الخطأ في الفكر والعمل. وهذه الشخصية تتناقض طبعاً مع متطلبات النظام الديمقراطي الذي يفترض بأن الحالة في حاجة دائمة إلى التحسين. هؤلاء الذين هم في أعلى، الذين هم مصدر الإرسال، يعتقدون بأنهم يمتلكون المعرفة ويعتقدون خطأ بأنهم يحتكرون الحكمة والمعرفة. وكونهم يشكلون مصدر التوجيه والأوامر ويفترضون بأنهم مصدر المعرفة يمنحهم سلطة قوية على جمهور المتلقين. ولذلك فإن هؤلاء الذين هم مصدر الإرسال يعتبرون الحوار والمناقشة والدراسة والاختلاف والخلاف أشياء غريبة عليهم ويرفضونها ويعتبرون من ينادي بها خصماً لهم وبالتالي يحاربونه ويعاقبونه. النظام الأبوي وتتفق طريقة التنشئة هذه مع روح النظام الاجتماعي الذكوري الأبوي (البطرياركي) الذي يتسم بالتسلط والكبت والذي لا يتحمل التناقش والتحاور ولا يطيق الفكر النقدي ولا يطيق الاختلاف والخلاف، لأن التناقش والتحاور والفكر النقدي والاختلاف تتضمن تحرك الفكر باتجاهين أو أكثر من اتجاهين بينما يرتكز النظام الاجتماعي الذكوري على تدفق الفكر في اتجاه واحد من أعلى إلى أسفل. وتقوم علاقة بين طريقة التنشئة اللاديمقراطية هذه والنظام الذكوري الأبوي، من ناحية، والتغير الاجتماعي، من ناحية أخرى. فبالنظر إلى أهمية تبادل الرأي ـ الذي يتحقق عن طريق التحاور والمناقشة والدراسة ـ في تحقيق التغير الاجتماعي لا يحدث تغير يستحق الذكر في هذا النظام. من شأن الحوار والمناقشة أن يسهما في عرض البدائل الفكرية المختلفة وفي اطلاع الناس على ما لم يكونوا مطلعين عليه قبل الحوار، مما من شأنه أن يسهم في إحداث التغيير الاجتماعي. والطريقة المثلى لإضعاف الفكر النقدي ولإقصائه هي اتباع طريقة التلقين والاستظهار للحصول على المعرفة. والتلقين طريقة تناسب طريقة التنشئة التقليدية والنظام الاجتماعي الذكوري الأبوي. ولا تنتج هذه الطريقة الفكر النقدي. ينتج التلقين شخصية تناسب دور الشخص في ذلك النظام، الشخص غير المناقش وغير الناقد، الشخص المطيع المتلقي القابل. الطريقة غير الديمقراطية في التنشئة تنتج شخصيات معتادة على التلقي فهي بالتالي سلبية، شخصيات لم يعزز لديها الحس النقدي فهي تقبل الأفكار والمواقف دون تمحيص ودون إطالة النظر فيها. وفي حالة التبعية الفكرية والنفسية هذه لا توجد لدى المرء حاجة إلى أن يمسك بزمام المبادرة وإلى أن يكون مسئولاً، وبالتالي تتعزز في نفس ذلك المرء شخصية المتلقي وتتلاشى في نفسه روح المبادرة والحس بالمسئولية سوى المسئولية عن أن يحسن القيام بالدور الذي يحدده له الشخص الأعلى. ويجهل المتلقي لغة التحاور والتناقش والمشاركة، ويشعر بأنه ليس لديه اعتبار. وبالتالي يصبح منكمشاً ومنسحباً. وقيام المرء بدور المتلقي فقط لا يتطلب منه أن يكون مبتكراً مبدعاً، بل يتطلب منه ألا يكون مبتكراً ومبدعاً. تضعف هذه الحالة ملكة الابتكار والإبداع عنده. حتى يكون المرء مبدعاً يجب أن يكون لديه الشعور بالاعتبار الذاتي والنفسي وألا يعاني حالة التبعية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وألا يكون في حالة توصله إلى التردي النفسي والضياع الذاتي. حتى يكون المرء مبدعاً يجب أن يكون في حالة يمكنه فيها أن يؤكد ذاته وأن يسمو بذاته فوق المشقات وأن يسوده الشعور بأنه أقوى من التحديات. والنفس البشرية تميل إلى التنفيس عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، والطرف الأدنى المتلقى في هذا النظام يشعر بذلك الضغط على الرغم من تحقيقه لقدر كبير من التعود على هذه الحالة والتكيف معها. وتنفيساً عن تلك الضغوط يقوم ذلك المتلقي نفسه بتطبيق نموذج من العلاقات بينه وبين الأضعف منه مماثل لنموذج العلاقات بينه وبين من هو أعلى وأقوى منه. فترى ذلك المتلقي يمارس التوجيه. وعلى هذا النحو ينشأ في المجتمع هرم أو مسلسل من التوجيه والتسلط. الحاجة للتغيير وفي المجتمع البشري والحياة البشرية عموماً تقوم حاجة إلى التغيير لأن هذا المجتمع يعتوره العيب ويعتور العيب العلاقات الاجتماعية التي لا تقوم على أساس أمثل من الإنصاف والرشد. وتقوم حاجة إلى التغيير لتحقيق توزيع أفضل لموارد المجتمع ولتكييف بنية المجتمع بما يتفق مع مصلحته في الاستفادة من التكنولوجيا. في النظام الاجتماعي الذكوري لا تكون سرعة التغيير أبداً متفقة مع سرعة التغيير التي تتطلبها حاجات المجتمع. ومن العوامل الأهم في إحداث التغيير ممارسة النقد في شتى المجالات. وفي النظم الاجتماعية التي ينشأ فيه الناس تنشئة لا ديمقراطية والتي بالتالي يحظر فيه النقد على المرء يصعب إحداث التغيير. وفي الابتكار والإبداع واكتشاف المجهول وارتياده منفعة للشعب. ويصعب تحقيق هذه الأهداف دون توفر الملكة النقدية التي تسهّل تحقيق هذه الأهداف. وبما أن طريقة التنشئة التقليدية تناويء الفكر النقدي فإنها تحول دون تحقيق تلك الأهداف. وللإعراب عن الفكر فله طرقه التي تحددها الصفات الإنسانية الطبيعية والمكتسبة. ومن صفات المجتمعات السليمة التدفق الحر غير المقيد للأفكار التي هي انعكاس للتفاعل بين الإنسان وبيئتيه الاجتماعية والطبيعية. ومرد سلامة هذه الصفة هو أن الحالة الطبيعية هي أن تتدفق الأفكار دون تقييد، لأن التدفق الفكري حالة طبيعية. وبالتدفق الفكري يحدث التنوع الفكري. والنظام الاجتماعي الذكوري الأبوي المقيد للتدفق الفكري نظام مُناقض للطبيعة البشرية. يبين ذلك العرض أن من المفيد للبشر الكف عن اتباع طريقة التنشئة غير الديمقراطية وإشاعة وترسيخ طريقة التنشئة الديمقراطية النقدية. وبحكم هذه الصلاحيات السياسية التي تمتلكها الحكومة وقدراتها الإدارية وإمكاناتها المالية وبحكم ضعف المنظمات المدنية غير الحكومية في العالم الثالث تقع على السلطات الحكومية مسئولية رئيسية ـ ولكن ليست المسئولية الوحيدة ـ عن القيام بذلك. لقد ضعف في الحقيقة بعض الشيء التمسك باتباع طريقة التنشئة اللاديمقراطية في المجتمعات النامية كافة. ويتباين مدى هذا الضعف بين بلد وآخر في كل البلدان النامية تبعاً لقوة حضور عوامل مختلفة، منها انتشار معرفة القراءة والكتابة الذي ارتفعت نسبته في المدارس الابتدائية والثانوية وارتفاع نسبة الدارسين في الكليات والجامعات، وازدياد نسبة العاملين في العمل غير الزراعي الذي يتقاضى العاملون عنه أجوراً. واستماعهم عن طريق وسائل الاتصال الحديثة إلى أفكار جديدة تدعوهم إلى التفكير في حالتهم الاجتماعية والقانونية والنفسية ومقارنتها بحالات أخرى. هذه التطورات كلها وغيرها أفضت إلى نشوء موقف لدى قسم من الناس، موقف يتسم بقدر من التفكير المستقل عن صحة الحالة القائمة ويشكك في سلامتها ويفكر في بدائل، ولا يرضى بأداء دور المتلقي فقط. ـ أستاذ دراسات الشرق الأوسط ـ الولايات المتحدة