في الكثير من دوائرنا المحلية ومؤسساتنا ووزاراتنا الاتحادية، يقبع جيش من موظفي الدولة من الشباب وغير الشباب يحضرون في الصباح الباكر مسرعين الى دفتر تواقيع الحضور الصباحية، بعد ان يكونوا قد خاضوا صراعهم الصباحي اليومي كالمعتاد مع النعاس، والتزامات الصغار، وزحام الشوارع ومعضلة «الموقف» امام المؤسسة، وبعد التوقيع يتهالك كل منهم على كرسيه يقلب في بضع أوراق، وعندما يشعر بالملل يطلب كأس شاي ثقيل من (سعادة) الفراش. وما بين لحظة التهالك على كرسي المكتب، وحتى لحظة المغادرة المسائية، يمضي وقت موظفي المؤسسات بقليل من العمل، وكثير من الثرثرات التي لا تنتهي حول الشئون الشخصية جداً وآخر مستجدات الوضع في الوزارة او الدائرة، ومراقبة دقيقة لكل داخل وداخلة الى مكاتب السادة المسئولين وانتظار آخر التعاميم والنشرات الداخلية، ومحادثات هاتفية مخابراتية للوقوف على مستجدات أوضاع الوزارة والمؤسسات الاخرى، وتسريب سريع مع بث مباشر لكل حركة جديدة تحدث، او سلوك او تجاوز من قبل بعض الادارات والمسئولين للخارج وخاصة للصحافة! والموظف لا ينجز عملاً حقيقياً في مؤسساتنا المتخمة بالبيروقراطية الثقيلة، ليس لأنه كسول او متهاون، ولكن لأنه لا عمل ينجزه من الأساس! وهنا مكمن الغرابة، ولكنها الحقيقة فالبطالة والتضخم الوظيفي اللذان ترزح تحتهما الوظيفة العامة في المجتمع سببان رئيسيان لكل هذا التدني في مستوى الخدمة المقدمة من قبل الكثير من دوائرنا ومؤسساتنا ووزاراتنا. ان هذه الوظيفة التي يقضي فيها الموظف مدة تصل الى ثماني ساعات يومياً لا تحتاج في الحقيقة من أجل انجازها لأكثر من ساعة واحدة على أكثر تقدير، ان لم نقل نصف ساعة من العمل المتواصل، وأما بقية الوقت فيذهب هدراً ضائعاً على ما أسلفنا من ممارسات تلتهم الوقت، والعجيب ان تلجأ بعض المؤسسات لنظام الخصم من الراتب بسبب 5 دقائق تأخير، بينما هي تضج بواقع اداري متخلف ومترد سببه الرئيسي عقلية المسئولين المتأخرة في هذه المؤسسات فمن يخصم من رواتب هؤلاء كما خصم من رواتب الموظفين الصغار بسبب 5 دقائق؟ ونحن لا نتجنى على أحد، ولكن الحقيقة ان كل ما يقال، وما تنادي به الحكومة من أجل اعمال متميزة وموظفين مبدعين لا وجود له في الحقيقة، لأن طبيعة الوظيفة، وهيكلية المؤسسة والروح السائدة، وعقلية المسئولين، وآليات العمل والرقابة والمتابعة، واحتساب نسب الانجاز والاخفاق وملاحظة مستويات الموظف المهنية وكفاياته الوظيفية وسياسة الحوافز وغيرها، أمور غير واردة في التفكير العام والمخطط الكلي لهذه المؤسسات التي تسير على البركة ودعاء الصالحين وميزانية الدولة، أكثر مما تسير بالتخطيط والتنظيم والمتابعة. كل هذا الذي قلناه يشكل في النهاية ثقافة بيروقراطية مع سبق الاصرار والترصد ضاربة في نخاع بنيتنا الادارية العامة، وقد تراكمت هذه الثقافة بتراكم الزمن والأحداث والأوضاع منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولا حل سوى اعلان حالة الحرب على هذه الثقافة، ليس بلجان ونوايا وكتب وندوات فهذه شبعنا منها، ولكن بقرارات عليا، لعل الله يرحمنا ويرحم الموظفين من داء الجمود والتكلس خلف المكاتب.