تجاوز الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ حدود اللياقة، عندما صرح بأن «دولة الاحتلال ستحاسب حساباً عسيراً على جرائمها». واعتبر كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة ، ان مثل هذه التصريحات «غير لائقة في وقت تحيي فيه اسرائيل ذكرى قيامها»!! ورغم ان الرئيس عرفات لم يحدد شكل الحساب الذي يقصده، وما إذا كان هذا الحساب سيكون إدانة قوية أو شجباً شرساً، أو شكوى لممثلي الشرعية الدولية، غير ان مجرد تعكير صفو المناسبة السعيدة والتلفظ بمثل هذه التصريحات الماسة بالمشاعر المرهفة للكيان المدلل والأثير لدى راعية السلام غير مقبول من القوة العظمى المنفردة بتحديد مصائر العالم! هكذا صار على الفلسطينيين ان يتجرعوا كأس الاستشهاد والثكل واليتم يومياً بأدب ودون ان يصدروا صوتاً «غير لائق» أثناء تجرعهم الكأس الزؤام، أصبح محظوراً عليهم حتى أن يصرخوا من الوجع ويفسدوا على المحتفلين متعة احتفالاتهم. أي هوان هذا؟ وأي مأزق وضعنا فيه أنفسنا بعد ان اعتدنا القيام بدور «المفعول به» دائما؟ دائما هم البادئون بالفعل، وليس باستطاعتنا سوى رد الفعل الذي غالبا ما لا يتعدى الشجب والاستنكار، وأصبح منتهى طموحاتنا ان نشهد العالم على فظائع اسرائيل ودماثة أخلاقنا، وان نقنع هذا العالم بعدم التزام الصهاينة بالشرعية الدولية في الوقت الذي نبرهن فيه على تمسكنا القوي بهذه الشرعية وتحلينا بضبط النفس. وما أمر طعم العلقم في الحلق عندما تتناهى إلى الذهن صور مسئولين تضطرهم اعتبارات البروتوكول والدبلوماسية الدولية إلى تقديم التهنئة لممثلي ذلك الكيان بعيده «القومي» في اليوم الذي تتشح قلوب شعوبنا السواد من المحيط إلى الخليج. وماذا بعد؟ ألا يكفي ما شاهده العالم من مجازر جماعية واغتيال لآمال وأحلام يطاردونها ويصرون على قنصها بوحشية، حتى في مهاد الرضع وبطون الحوامل؟ وإذا كانت شرعيتهم الدولية لم تستطع بصيرتها التمييز بعد بين صاحب الحق ومغتصبه، وإذا كان مجلس أمنهم مازال يرى في كل ما يجري «عنفاً متبادلاً»، ألا يدفعنا ذلك إلى إعادة النظر و «وقفة مع الصديق الأمريكي» على حد قول الكاتب المصري محمد حسنين هيكل؟ ماذا لو جربنا يوما ان نأخذ زمام المبادرة، فنعلنها واضحة ان تلك الشرعية ذات المعايير المزدوجة لم تعد تلزمنا، وأن خيار السلام مجرد خيار ـ وإن كان له أفضلية ـ ضمن خيارات عدة لم تسقط من أيدينا بعد. ولعل تفعيل لجان المقاطعة في كل بلداننا العربية من المحيط إلى الخليج أحد هذه الخيارات التي من شأنها ان تقنع اسرائيل ومن وراءها أن أوراق اللعبة ما زال الكثير منها بين أيدينا. انهم بالقطع لن يستطيعوا ان يفرضوا على بلدان العالم العربي والإسلامي جميعاً حظراً جوياً أو مقاطعة اقتصادية، ليس بإمكانهم أن يستغنوا عن أسواقنا ولا عن موادنا الخام وفي الصدارة منها نفطنا، فقط لو خلصت النيات وقوي العزم.. فقط.