اجتزنا الباب الحديدى لسجن مونبيليه الفرنسي، وقفنا في ممر محصور بين بابين، وجدت نفسي مع زملائي الأدباء. هدى بركات (لبنان) انتونيو برتي (ايطاليا) وصحفي فرنسي من جريدة (ميدى ليبر) واسعة الانتشار، في الجنوب الفرنسي، وآنيت اليفين المسئولة الثقافية للمدينة ومسئولان من السجن، كررا علينا مرة أخرى رجاءهما بألا نستفسر من المساجين عن أسباب حبسهم أو أي شيء خاص بهم، ولا نتطرق خارج موضوع الحب بقدر الإمكان. من ممر الى ممر، ومن صالة الى صالة، بدأت حركتنا، لاحظت أن جميع الأبواب تفتح تلقائيا بأمر من مراكز التحكم التي يجلس فيها جنود وحراس أمام شاشات تلفزيونية تكشف كل جزء في السجن. أغرب ما لاحظته أن الحراس بينهم سيدات شابات وعلى درجة كبيرة من الجمال. ولا يحملن سلاحا، يتحركن بثقة وبشكل طبيعي، والسجن مخصص للرجال، لاحظت أن الحراس سواء كانوا رجالا أو نساء لا يحملن سلاحا من أي نوع، وبعد حوالي ثلث ساعة من الحركة الدقيقة، والانتقال من حيز إلى حيز، لاح أخيرا أن موعد ومكان اللقاء يقترب. أخيرا، وصلنا الى الطابق الذي ستعقد فيه الندوة، لمحت أجهزة تكييف، في شهور الصيف يكون الحر شديدا، صالة فسيحة، لوحات معلقة الى الجدران، معظمها عن مصر القديمة، لوحات للآثار المصرية القديمة رسمها فنانون فرنسيون في القرن التاسع عشر، دينون، بريس دافن، بسكال كوست، فوق مناضد مستطيلة صفت تماثيل للاهرام، لأبي الهول، لجمال رحلة عبر الصحراء، لمئذنة على الطراز المغربي. عبرنا بابا عاديا، أول باب عادي نجده، الى داخل صالة فسيحة حيث سيجري اللقاء، الجدران كلها مرسومة، لوحات متصلة لمدينة متخيلة، أشجار شديدة الخضرة، سيدة تقترب من مدخل بيت، طفلة تلهو، صيدلية، سيارة، مطعم، كلمة مطعم كتبت باللغة العربية، وجود مطعم عربي جزء أساسي من المدينة الفرنسية، خاصة في الجنوب، اللوحات ألوانها مبهجة، لكن الفراغات فيها شاسعة والشخصيات قليلة، لوحات ستهز الفراغ المطلق في الفراغ المؤطر، تجسد الحلم بالسير في خط واحد بدون حائط يحول، أو بوابة الكترونية تفتح من مكان بعيد، تحلم بالخلاء. بعد دخولنا تناولنا مقاعد من البلاستيك، خفيفة جدا، دخل شرطي، قالت لي الصديقة هدى بركات انه يحذرنا من القادمين، لو كان أحدنا يحمل شيئا ثمينا فيجب أن ينتبه، بعد خروجه بدأ دخول المساجين، تبادلنا التحية، كل منهم سحب مقعدا وجلس، أصبحوا يشكلون دائرة ناقصة، نحن في مواجهتهم، واثناء حديث المشرفة الثقافية اليهم كنت أمر بنظري مسرعا محاولا استيعاب ملامحهم، كان معظمهم في مرحلة مابين العشرين والثلاثين، عدا خمسة جلسوا الى الجهة اليمنى، تخطى كل منهم الأربعين أو الخمسين، لزموا الصمت طوال اللقاء، وكان أحدهم معتم الحدقتين، كأنه خارج من أحدى روايات ديستويفسكي. يتطلع صامتا، لم ينطق طوال الجلسة التي استغرقت أكثر من ساعتين، فيما بعد علمت أن هؤلاء الخمسة الصامتين، كبار السن، يقضون مددا كعقوبة على ارتكاب جريمة الاغتصاب. هل يفسر ذلك صمتهم، والاكتفاء بالاصغاء، ربما سجلوا أسماءهم من باب الفضول، أو للقاء غرباء كسرا لرتابة الأيام المتشابهة داخل السجن. عندما بدأت أتحدث بالعربية، بينما تقوم الصديقة هدى بركات بالترجمة، لم يكن عسيرا على أن أدرك استيعاب ذي الملامح العربية لما أقوله، كان مغربيا من مدينة مكناس، بعض من التقي بهم في أوروبا من العرب لا يتقنون العربية، وبعضهم يجهلها تماما، كان هذا الشاب يفهم لكنه يتكلم بصعوبة. كان يرتدي ملابس رياضية، لم يكن أمامنا زي موحد يرتديه السجناء. بدأ شاب في العشرينات الحديث، فرنسي، متين البنية، قال إن ادارة السجن وزعت عليهم بعض مؤلفاتنا، قرأ آخر كتبي المترجم إلى الفرنسية (متون الاهرام)، قال انه أول كتاب يقرأه كاملا في حياته، كثيرا ماشرع في قراءة كتب ولم يتمها، قال انه مثير، خاصة قصة العاشقين اللذين أحرقتهما الرغبة داخل الهرم، تحدث مطولا ثم تساءل: هل يعشق الإنسان نموذجا في خياله أم انسانة حقيقية في الواقع؟ قلت انني شخصيا أميل الى الافتراض الأول، غالبا مايكون لدى الإنسان تصور معين للمحبوبة، وعندما يلتقي في الواقع بمن يقاربه شبها ينزع اليه ويسقط حوله مايراه بداخله، وفي ألف ليلة وليلة تتكرر كثيرا قصص العشاق الذين رأوا حلما يتجلى فيه المحبوب، أو صورة أو رسما له، عندئذ يهجر العاشق ملكه وسلطانه وثروته ويخرج عن سكنه، يرحل طلبا للمحبوب في الواقع. قال المغربي ان الغرام له مراحل، يبدأ بالاستلطاف، ثم تقوى المشاعر فيبدأ النزوع الى المحبوب، ثم يتحقق الارتواء. تشرح هدى بركات الحب كما كتب عنه العرب القدماء، خاصة ابن حزم في طوق الحمامة، وابن دلود في (الزهرة). تتحدث مطولا عن الحب العذري وأشهر نماذجه، ليلى والمجنون، يتساءل سجين فرنسي، في العشرينات، نحيل، قصير عرفت فيما بعد أن يقضي عقوبة لاتجاره في المخدرات هل صحيح ان الحب الحقيقي الذي يبقى مع الإنسان هو الذي لا ينتهي بزواج حقيقي؟ أقول إن كل مالا يحصل عليه الانسان يظل نفيسا في نظره، وذكرت قصة جميلة لانطوان تشيخوف، عنوانها (يونيك) قرأتها في ترجمة الدكتور محمد القصاص لعدد من قصصه ورواياته القصيرة، تحكي القصة عن وصول طبيب شاب الى مدينة ريفية، يسعى للتعرف الى عائلة عريقة بها، وعندما يرى أحدى بناتها يهيم بها حبا، يعرض عليها الزواج، لكن الفتاة الجميلة، الرقيقة، عازفة البيانو الماهرة التي تعد نفسها للسفر الى موسكو لتدرس وتعزف في مسارحها الكبرى تعتذر برقة ولباقة، يصدم الطبيب حتى لتصيبه حمى، ويهجر المدينة، ويتنقل في الريف يصبح همه جمع المال، يزداد وزنه، حتى ليعلو صوت تنفسه على صوت الحصان، بعد سنوات من التنقل يعود في مهمة سريعة الى المدينة، يخطر له زيارة العائلة، يطرق الباب، يفاجأ بمن هام بها يوما تفتح له، ترحب به، تدعوه الى الدخول، يكتشف انها تعيش بمفردها،لم تسافر الى موسكو، حالت الظروف بينها وبين تجسيد أحلامها. تتودد اليه، تلمح اليه مذكرة بما بدر منه يوما. لكنه لا يزداد الا نفورا، يسأل نفسه: كيف فكرت في الزواج منها يوما؟ يقول سجين ان العلاقة بالمرأة ضرورية، لكنها يجب أن تكون متناسبة مع اهتمامات الانسان وتوازناته الأخرى. ويقول آخر ان التوزان مع حالة الحب الحقيقية صعب، بل مستحيل. يقول آخر انه ضحية حب عنيف، ظن انها ستنقذه من أمور عديدة في حياته، لكنه بسببها مضى الى الهاوية. قال آخر انها سقطة قوية. كانت هدى بركات تترجم لي، واكتفينا بالاصغاء، لم نستفسر كثيرا، ومنعت اسئلة تخص كلا من المتحدثين، تدور معظمها حول الكيفية التي جاء بها الى هنا، الى هذا الفراغ المؤطر؟ وكم سيقضي؟ تحدث المغربي عن الحب عند الصوفية المسلمين. تحدث الأديب الإيطالي انتونيو برتي عن كيفية الجمع في الحب بين ماهو حقيقي وماهو وهمي، وقال ان العشق العذري ليس في الشرق فقط، وان مامر به الغيطاني عرفته ايضا في ايطاليا، التربية المسيحية تفصل بين الروح والجسد، تبقى الرغبة في مكان الخفى والممنوع، هذه الرغبة تكمن وراء كافة الحكايات الوهمية في الأدب والأغاني والأشعار. يسأل آخر عن العلاقة بين الحب والموت. تفيض هدى بركات في الحديث عن الصلة الوثيقة بينهما، بل تقول ان الحب هو الوجه الآخر للموت. تحكي عن تجارب حب تحت الحرب الأهلية في لبنان. أقول ان الغرام في اللغة العربية يعني العذاب، لذلك قيل في القرآن الكريم (إن عذابها كان غراما). افاجأ بصديقنا الإيطالي يقول: إن المعنى واحد في كل اللغات، الغرام يعني العذاب. يقول أحدهم ان المرأة تعني الفتنة والغواية. يقول انتونيو برتي الايطالي انه يتفق مع هدى بركات، فالحب هو الوجه الآخر للموت، يقول ان سقراط قال لتلاميذه انه لا يعرف الحب الا من خلال ما قالته امرأة عن الحب، قال ايضا ان الرجال يتكلمون بشكل سيئ عن المرأة، في الكوميديا الالهية لدانتي يقول دانتي ان النساء يعبرن أكثر عن قضايا الحب. تحدثت عن رمز الأم في الثقافة الشرقية والمتوسطية، عن ايزيس رمز الأمومة الخالد، يقول سجين عرفت انه من أوروبا الشرقية إن الأفكار كلها تقدم المرأة كخاضعة، لكن لو السلطة مع النساء لأصبح الوضع أفضل. يتساءل آخر فرنسي هل الحب غياب في مكان ما؟ لاحظت أن جملة مكتوبة على مذياع مرسوم على الجدار، (راديو الحنين) يقول سجين آخر أبوه ايراني وأمه فرنسية مسيحية، إن الحب هو الحياة ولو فقدناه سنموت، في الغرب يجري التركيز على المرأة، في الشرق تتعدد مستويات العشق، يقول ان العلاقة بالكون في الغرب أصبحت مادية، وانعكس هذا على الحب ايضا. تقول هدى بركات ان الحب طاقة مولدة للحياة. يقول أنتونيو برتي الايطايى ان الحب هو الطاقة المسيرة للكواكب وللنجوم. يقول المغربي ان الانسان يكون طليقا، حرا. حتى يقع في الحب، الحب تقييد. يؤمن آخر - فرنسي على ماقاله، الحب عذاب! تلك خطوط عامة بالطبع لما دار، وبعض الجمل دونتها من خلال ترجمة هدى بركات بالنص مع انتهاء الوقت المحدد بدقة، انتهى اللقاء، بدأنا نجمع المقاعد ونعيدها الى الركن عينه، مع اختلاطنا وتحدثت إلى المغربي، عرفت منه انه سينهي مدة عقوبته في أكتوبر المقبل، لاحظت وجود حارسات وموظفات فرنسيات، أناث داخل السجن، مما افتقدته كثيرا رؤية النساء والأطفال في المعتقل الستيني، بدأنا الطريق للخروج، استغرقت المراحل وقتا أطول، عند سلم دائري انفصلنا عن المساجين، مضوا هم في اتجاه الداخل الى الداخل، وانتظرنا بعض الوقت حتى سمعنا التكه، من ممر الى ممر، من حيز الى حيز، خلال العودة أتيح لي أن أتأمل الفراغات المؤطرة، المنضبطة، وغرف التحكم عند مرورنا أمامها، لمعان الشاشة الصغيرة التي يتم من خلالها رؤية التفاصيل، كل شئ منظم، نظيف، مرتب، لكنه سجن محكم، بعض الاسئلة تتوالى، ماذا لو حدث تمرد مفاجئ اثناء وجودنا؟. لماذا لو أخذنا هؤلاء الشبان كرهائن؟، غير أنني عندما استعدت ملامحهم ولحظات التواصل الإنساني ورغبة بعضهم الصادقة في المعرفة، خجلت من نفسي لأنني فكرت هكذا.