من شابه أباه فما ظلم، ويكاد الابن أن يكون شكلا صورة طبق الأصل من الأب، نفس العينين، نفس النظرة، النبرة، الإيماءة، الإبتسامة، الخجل، ونفس الذوق في الملابس، في نفس الموقع السياسي، مع نفس الوجوه تقريبا، ولكن (ديك شيني) الذي كان وزير دفاع الأب، قد ترقى إلى منصب نائب رئيس مع الابن، و(باول) الذي كان رئيس أركان حرب الأب، أصبح وزير خارجية مع الإبن.. ورغم مرور ما يزيد على ثمانية أعوام فاصلة بين رئاسة الأب ورئاسة الابن، فالحال بالنسبة للعراق على ما هو عليه، وعلى المتظلم اللجوء إلى القضاء. لقد تهكم البعض في الغرب على ما أطلق عليه (الجمهوريات الوراثية) في منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أن الوالد يسلم الحكم لولده، وذلك إثر تولى الرئيس بشار الأسد رئاسة سوريا خلفا لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد، إلا أن هؤلاء وأولئك لم يعلقوا على خلافة (آل بوش) في أمريكا قلعة الديمقراطية، وحامية الحرية، ربما لأن خلافة بوش جاءت عن طريق صناديق الاقتراع (رغم ما أثاره المرشح الديمقراطي آل جور من شكوك حول هذه الصناديق)، وربما لوجود فاصل زمني بين الأب والابن، وربما لاستمرار وجود الأب على قيد الحياة!! ولكن لماذا يعترض أحد على ذلك؟ أليس من المألوف أن المهنة الواحدة يتوارثها الأبناء والأحفاد في الأسرة الواحدة؟ فمثلا لا يكون غريبا أن يكون ابن السباك سباكا، فتلك طبائع الأمور، حيث أنه في الأغلب الأعم يتأثر الولد بوالده ويحاول أن يتشبه به ويقلده، وذلك هو مصدر المثل العربي الشهير (من شابه أباه فما ظلم) ، فالسياسة في التحليل الأخير هى مهنة مثل أية مهنة، ووسيلة للرزق والتكسب، ثم أنه من المحتمل أن يتوصل التقدم العلمي في مجال الهندسة الوراثية، وخاصة بعد اكتشاف الخريطة الجينيه للإنسان أو كتالوج الإنسان (الجينوم)، إلى معرفة سر وجود صفات وراثية معينة تتعلق بالزعامة والقيادة لدى صنف من البشر دون أصناف أخرى، فلابد أن هناك كروموسومات خاصة تنتقل جيلا بعد جيل، وربما توصل ذلك العلم أيضا إلى أن هانيبال أو بونابرته كان بوش الأصلي جد بوش الحالي. لقد قال بوش الأب في صيف عام 1990 أن (السلام والأمن لابد أن يحل في الشرق الأوسط) ووعد بشكل قاطع أنه بمجرد تحرير الكويت فسوف يتم إحلال السلام في تلك المنطقة في إطار ما أسماه (النظام الدولي الجديد)، وطالب بضرورة إذعان العراق بدون قيد أو شرط للانسحاب من الكويت، وأشرف على تنظيم الحملة الدولية المظفرة التي انتهت بتحرير الكويت وتدمير العراق، وكانت تلك أروع لحظات الأب حين وقف يخاطب الأمة الأمريكية مؤكدا على أن النصر قد تحقق لأنهم أمريكيون، وأن المبادئ قد انتصرت لأنها أمريكية، مشددا على أن أمريكا لابد أن تنتصر بلا جدال أو فصال لأنها أعظم أمة في التاريخ. وفي ربيع 2001، قال بوش الابن بشكل قاطع أن أمريكا لن تعتذر للصين بسبب واقعة طائرة التجسس الأمريكية التي اعترضتها المقاتلات الصينية مما أدى إلى سقوط إحدى هذه المقاتلات، وإصابة طائرة التجسس بعطب أدى إلى نزولها إضطراريا إلى إحدى جزر الصين، وطالب الصين في لهجة حادة بأن تعيد الـ 24 فرداً طاقم الطائرة وكذلك الطائرة نفسها في أسرع وقت، وكان الرد الصيني مختصرا وقاطعا (لابد أن تعتذر الولايات المتحدة الأمريكية)، ليس هذا فحسب بل قامت أرملة الطيار الصيني الذي فقد في الحادث بإرسال خطاب إلى بوش الابن قالت له فيه (أنت أجبن من أن تعتذر)، وهاجت الدنيا وماجت في أمريكا العظمى، كيف تتجرأ الصين على مطالبة أمريكا بالإعتذار، وكيف تصف هذه المرأة الصينية الرئيس الأمريكي بأنه جبان؟، وبدأ المسئولون الأمريكيون يلوحون بإجراءات عقابية ضد الصين مثل حرمانهم من المزايا التجارية في السوق الأمريكية، وعدم الا شتراك في الأولمبياد المزمع عقده في الصين، وزيادة تسليح تايوان، أي بإختصار حرمان الصين من جنة النعيم الأمريكية، والمدهش أنه رغم ذلك أجاب المتحدث الرسمي بإسم الصين بأن أمريكا لابد أن تعتذر. وقالت صحيفة أمريكية جمهورية (ويكلي استاندرد) ان ما حدث يعتبر (إهانة قومية) منتقدة أسلوب بوش الابن في إدارة الأزمة، في الوقت الذي بدأت فيه الإدارة تتراجع عن تصلبها شيئا فشيئا، حيث أعلن نائب الرئيس ديك شيني ووزير الخارجية باول أن الولايات المتحدة (تأسف) لتسبب الحادث في وفاة الطيار الصيني، كما قام الرئيس بوش بإرسال رسالة رقيقة لأرملة الطيار رغم أنها وصفته بالجبن، على اعتبار أن ذلك يعكس المستوى الراقى للرئيس الأمريكي وللشعب الأمريكي، وقد أكد المسئولون الأمريكيون أن ذلك لا يعنى تقديم اعتذار، فهنالك فارق بين الاعراب عن الأسف (للمأساة الإنسانية لموت الطيار الصيني) ، وبين الاعتذار الذي يعني الاعتراف بالمسئولية، وأن رحلات الإستطلاع في بحر الصين ضرورية لأمن أمريكا وأمن أصدقائها وأمن الدنيا عموما، ولكن الصين ركبت رأسها واعتبرت أن الاعراب عن الاسف لا يعد كافيا ولابد من الاعتذار الرسمي. ولقد سبق لأمريكا أن اعتذرت للصين عن قيامها بقصف سفارة الصين في بلجراد أثناء أحداث كوسوفو خلال رئاسة كلينتون، لذلك تساءل البعض عن سبب تعنت أمريكا هذه المرة، فالمسألة لا تزيد على كلمة وكفى الله المؤمنين شر القتال، إلا أن أوساط الإدارة الأمريكية الجمهورية ألمحت إلى أن أمريكا في عهد كلينتون كانت تحترف الاعتذار بسبب وبدون سبب، فقد أعتذر كلينتون أكثر من مرة بسبب موضوع (مونيكا) الشهير والموضوعات الأخرى المرتبطة بنشاطات الرئيس الليلية، وأن بوش الابن يختلف تماما، وهو أيضا يركب رأسه. والمشكلة هنا أن هناك 24 مواطنا أمريكيا (هم طاقم طائرة التجسس) كانوا محتجزون في الصين، وردد البعض في أمريكا يردد أنهم (رهائن) (إشارة إلى أزمة احتجاز إيران للرهائن في عهد إدارة الرئيس كارتر)، وذلك سبب ضغطا وصداعا للإدارة الأمريكية التي تبدو عاجزة ولا يصح أن تبدو كذلك وهي على رأس أعظم دولة في العالم. وقياسا على أن (من شابه أباه فما ظلم)، فإن بوش الإبن كان ولابد أن يحذو حذو بوش الأب (خاصة وأن هناك تأكيدا أنه كان يستشير أباه في هذه المشكلة)، وبالتالي وقياسا على ما تم حيال العراق، فإن بوش الإبن كان يجب أن يلجأ إلى مجلس الأمن لإستصدار مجموعة من القرارات تبيح تطبيق الفصل السابع لإجبار الصين على تسليم الرهائن فورا وبدون قيد أو شرط، وإذا لم تستجب الصين لذلك، فعليه أن يقوم بتشكيل تحالف دولي عسكري، يقوم بقصف جوى مركز على البنية الأساسية ومراكز القيادة والسيطرة ومواقع الصواريخ وغير ذلك، على أن يستمر القصف لعدة أسابيع بلا هوادة دون التورط في حرب برية تقليلا لخسائر قوات الحلفاء، ويمكن أن تنصح إسرائيل بعدم التدخل حتى لو سقطت عليها صواريخ سكود الصينية للحفاظ على تماسك التحالف، ولسوف تدعى إسرائيل أنها سوف تضبط النفس مع احتفاظها بحقها في الرد المناسب في الوقت المناسب، وذلك إلى آخر السيناريو المعروف الذي انتهى نهاية سعيدة بعودة الطاقم الأمريكي ظافرا إلى بلاده، واستمرار حصار الصين لمدة لا يعلمها إلا الله. إلا أن ذلك السيناريو كانت تحول دونه بعض المسائل الإجرائية، فالصين عضو دائم في مجلس الأمن، أي أن رأسها برأس أمريكا وتستطيع بالفيتو أن توقف أي قرار لمجلس الأمن، ومن ناحية أخرى فإن الصين تمتلك قوة الردع النووية وجيشا قويا، ويمكنها أن توقع بقوات التحالف خسائرا رهيبة، ومن غير المتوقع أن يكون هناك حصار للصين لأن الكرة الأرضية نفسها قد تتلاشي بعد تبادل بعض القنابل النووية بين الأطراف المتحاربة، وهكذا تنتهي المشكلة من جذورها، وتتوصل الأطراف المعنية إلى الحل الذي ليس بعده حل، والسلام الذي ليس بعده سلام بعد فناء البشرية. وحيث أن لكل عقدة حل، فإنه كان من المتصور، وبنفس قياس تشابه الابن والوالد، أن يتم التوصل إلى بعض الحلول لتلك العقبات الإجرائية، مثل العودة إلى عدم الإعتراف بالصين الشعبية باعتبارها الصين، وإدخال (تايوان) إلى مجلس الأمن كممثلة لشعب الصين، وبالتالي يمكن تفادي موضوع الفيتو، كما يمكن الاكتفاء بحصار الصين اقتصاديا تفاديا لمسألة دمار الكرة الأرضية، ولكن هل كان ذلك سيؤدي إلى إطلاق سراح طاقم الطائرة الأمريكية؟ لابد أن كل هذه التصورات كانت مطروحة وبقوة على صانع القرار الأمريكي، وأصبح المخرج الوحيد هو أن (تعتذر) أمريكا بالفعل بشكل أو بآخر، بحيث تلتزم مثلا بعدم إستخدام طائرات التجسس بالقرب من السواحل الصينية، وحيث أن هذا الاعتذار قد وصل بشكل ما، وحيث أن ذلك يمثل إختلافا بين معاملة الأب للعراق ومعاملة الابن للصين، فإنه يمكن تصور وجود حل قريب للحالة العراقية، وهكذا تكون الصين قد لعبت دورا بارزا في وقف مسلسل وفيات الأطفال في العراق. ـ كاتب مصري