ينعقد في مدينة طنجة المغربية هذه الأيام مؤتمر دول حوض البحر الأبيض المتوسط وهو لقاء أصبحت له تقاليده وآلياته منذ الثمانينيات، له شكل إقليمي جغرافي وله خلفية تاريخية، وله أبعاد استراتيجية لم تعد تخفى على الراصد الحصيف. وطرافة هذا «النادي» هو جمعه لدول الضفتين الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، أي دول أوروبا المتعاقدة بعقد الاتحاد الأوروبي والملتزمة بقوانينه وأعرافه والمنضوية تحت لواء الحلف الأطلسي أو حديثاً إلى معاهدة مبادرة الدفاع الأوروبي المشترك... ودول الساحل الجنوبي لنفس البحر وهي دول المغرب العربي الخمس: المملكة المغربية وموريتانيا والجزائر وتونس وليبيا تضاف إليها مصر وسوريا ولبنان... وإسرائيل. من هنا نفهم أن الحوار داخل هذا النادي لا يمكن أن يقتصر على الاقتصاد والثقافة والتعليم، بل هو حوار سياسي واستراتيجي بالدرجة الأولى. تسعى الدول الأوروبية قدر جهدها إلى إكسابه معاني وروح مشروع الشرق الأوسط لصاحبه شيمون بيريز، باستبعاد دواعي الصراع القائم بين فلسطين ـ الدولة المتوسطية بكل معاني الكلمة ـ وإسرائيل الدولة المغتصبة لأراضي جيرانها حسب القانون الدولي وميثاق منظمة الأمم المتحدة وحسب... النظام التأسيسي للاتحاد الأوروبي ذاته الذي يعترف نصاً بروح القانون الدولي. وإننا حين نقرأ أدبيات دول الشمال ـ وأتيح لي أن أطلع على ما يُكتب ويقال في فرنسا وفي اسبانيا ـ فإننا نستنتج أن لدى جيراننا الأوروبيين رغبة صريحة لا خفية في أن يكون مؤتمر طنجة بل أن يكون نادي البحر الأبيض المتوسط كله مشروعاً لتجمع إقليمي فاعل «يترفع» عن الصراع الدائر والدموي في فلسطين ليصنع اندماجاً أو تكاملاً بين دول الساحلين الشمالي والجنوبي على أساس «المنافع». لكن هذه الرغبة تصطدم بعقبات موضوعية صمّاء يصعب غض الطرف عنها وهي: 1ـ إن الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل ضد شعب متوسطي أعزل هو الشعب الفلسطيني تُناقض القيم والمبادى المخطوطة في لوائح وبيانات نادي البحر الأبيض المتوسط المنادية بالسلام واحترام حقوق الشعوب واحترام حقها في تقرير مصيرها تحديداً، إلى جانب استعمال اليورانيوم المنضّب المحرم دولياً وممارسة جرائم وحشية هي نفسها التي حاكمت أوروبا من أجلها زعماء النازية الألمانية أو هي نفسها ـ وأخطر ـ التي قام بها ميلوسيفيتش وتحركت بسببها قوات الحلف الأطلسي لدك بلجراد بالقنابل منذ عامين، ألا وهي جرائم قتل الأطفال وتهجير السكان الآمنين وتجريف البيوت وقلع الزيتون والرمان والقيام بكل عناصر التطهير العرقي والعنصري بأتم معاني الكلمة. فكيف يعتبر العرب هذه الدولة الصعلوكة الخارجة عن القانون جارة وشريكة وهي تخضّب نفس مياه البحر الأبيض بالدماء القانية المسفوكة؟ وهنا لا بُدّ أن يطالب ممثلو الدول الغربية المشاركة بموقف أوروبي حاسم ـ مختلف عن ذلك الكلام المتردد ـ حتى يمكن قيام شراكة حقيقية وآمنة وصادقة حول بحيرة السلام التي هي البحر الأبيض، وهو البحر الذي جمع وصهر الحضارات والثقافات منذ خمسة آلاف عام ولا يزال. 2ـ اختلاف جوهري آخر قائم بين شمال البحر وجنوبه في قضية الهجرة غير الشرعية من الجنوب للشمال عبر البحر الأبيض المتوسط. فالدول الغنية في أوروبا تطالب دول الجنوب الفقيرة بحلول أمنية وقانونية وتعزيز الرقابة وتدعيم القمع حتى لا يُجازف مئات بل آلاف الشباب بحياتهم للالتحاق بسواحل الشمال والحصول على شغل ووثائق إقامة مهما كان الثمن ـ وكثيراً ما كان الثمن حياتهم حين تنقلب المراكب الصغيرة التي تحملهم فتلقيهم العاصفة في اليم أو تتلقاهم دوريات الحدود باسبانيا أو فرنسا أو ايطاليا لتعيدهم إلى نقطة الانطلاق ـ وهي مأساة حقيقية عميقة الجذور لا يمكن أن تعالج بالأمن والقانون، بل حلها الحقيقي كما يعتقد الخبراء خارج الحكومات هو إسهام الاتحاد الأوروبي الفعّال في تنمية اقتصاديات دول الجنوب بإقرار شراكة شجاعة وحقيقية مع أوروبا وإلغاء تلك الديون المجحفة الظالمة التي تقصم ظهور دول الجنوب وأغلبها لمصارف مركزية أو حكومية أو خاصة أوروبية. ثم إننا لو حلّلنا أسباب التخلف والفقر لدى أغلب دول الجنوب لوجدنا أن جذورها ممتدة إلى مرحلة الهيمنة الاستعمارية التي ابتليت بها. فقد كانت العقيدة الاستعمارية السائدة على مدى القرنين التاسع عشر ونصف العشرين عقيدة نهب وسلب للثروات الطبيعية والمواد الأولية من أجل صناعة أوروبا ورفاهية شعوبها على حساب الجنوب المعدم. فلماذا تُكَفِّر أوروبا عن ذنوبها إزاء اليهود بعد خمسين عاماً فتعوض للعائلات اليهودية ما ادعته من سرقة ودائعها في بنوك سويسرا وفرنسا والنمسا وألمانيا، فتدفع حوالي عشرة مليارات من الدولارات ـ أو من اليورو ـ لدولة إسرائيل وبعض العائلات اليهودية؟ بينما تدير هذه الدول الأوروبية ظهرها لتداعيات ونتائج العهد الاستعماري الغاشم والذي لا نزال نكابده في زراعتنا وصناعتنا وتصحّر أراضينا وفساد بيئتنا وقلة مواردنا وبطالة شبابنا. هذه جرائم استعمارية ارتكبت ضد شعوبنا في جنوب البحر ولا بُدّ لمعالجتها من أن تتضافر جهود نادي البحر الأبيض المتوسط لا بالكلام المعسول بل بالحلول وإسقاط جزء من الديون وفتح أبواب الأسواق الأوروبية أمام انتاجنا بمعاملة تفضيلية وكذلك فتح باب الهجرة الشرعية أمام شبابنا من حاملي الشهادات أو المهارات عوض فتح باب أوروبا الشرقية وحدها للهجرة الشرعية من باب أن المسيحي أفضل من المسلم، وهو تعامل عنصري يناقض مباديء الحرية والتسامح وحقوق التاريخ المشترك الطويل بين أوروبا وضفة البحر الجنوبية. 3ـ المعضلة الجوهرية الثالثة والقائمة بين ضفتي المتوسط هي معضلة حوار صعب بل مستحيل بين اتحاد أوروبي جمع سائر دوله في نظام اتحادي... كأنه دولة واحدة لها دستورها المشترك وبرلمانها المشترك وعملتها الوحيدة ـ اليورو ـ التي تنزل للشارع يوم 1 يناير 2002 لتعوّض كل العملات الوطنية وللاتحاد الأوروبي دفاعه المشترك وإرادته المشتركة وهو يدخل العولمة بقوة لينافس أمريكا ويرفض هيمنتها حتى لو جمعته معها مصالح الاقتصاد الحر والنمط الثقافي. حوار صعب ومستحيل بين هذا الاتحاد الصلب الراسخ وبين دول الجنوب المفككة التي انغلقت. ويكفي أن نذكر العلل الواضحة مثل مشكلة الصحراء الغربية أو التعامل مع إسرائيل أو سوء التجارة البينية الهشة أمام تجارتها مع أوروبا. علل وجروح وشتات تنبيء بأن موقفاً موحّداً لمواجهة الاتحاد الأوروبي بجملة من المطالبات يبدو صعب المنال. فحوار طنجة سيكون غير متكافئ بين كتلة قوية ودول متفرقة. ولذلك فنحن نخشى ـ ولهذه الأسباب الموضوعية الثلاثة ـ أن يكون لقاء طنجة إملاء لشروط دول الساحل الشمالي بدون ضوابط وبدون أخلاق على دول الساحل الجنوبي. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر