قد لا يعرف البعض من هو تيموثي ماكفيه، الذي مر أكثر من خمس سنوات على الجريمة الشنيعة التي ارتكبها بتفجيره مركز التجارة العالمي في ولاية أوكلاهوما الأمريكية، في سنة 1995، وهي الجريمة التي راح ضحيتها مئة وستة وتسعون شخصا، ما بين رجل وامرأة وطفل. وقد حبس الكثيرون وقتها أنفاسهم خشية أن تُلصَق التهمة بأحد الفروع السياسية النشطة في الشرق الأوسط، الأمر الذي كان يمكن أن يلقي بظله على المنطقة بأسرها، وقد يصب مزيداًَ من الزيت على النار، التي لا تكاد تتوارى تحت الرماد حتى تعود مجددا أشد اشتعالا. لكن بعد هذا التخوف الذي استبد بكثيرين في منطقتنا، تنفس الجميع الصُّعداء عندما كشفت التحقيقات عن أن عصابة بيضاء إرهابية، تتكون من تيموثي ماكفيه وآخرين، هي التي ارتكبت ذلك العمل الإرهابي الشنيع، في محاولة جادة لتحقيق أهدافها ـ في أكبر الديموقراطيات في العالم ـ باستخدام العنف والقوة الفظة. بدايات الإرهاب حين تعرض الموسوعة البريطانية لشرح مفهوم الإرهاب وجذوره في الشرق الأوسط، تنسب بدايات الإرهاب، في العصر الحديث ـ وهي محقة في ذلك ـ إلى العصابات الصهيونية، التي خرجت من تحت قبعتها أشد أعمال العنف والإرهاب ضد المواطنين في فلسطين، حتى بلغت أوجها في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم، وقد استعملت هذه العصابات، التي يذكر التاريخ منها الهاجانا وشتيرن وأرجون، أكثر الوسائل وحشية وفظاظة. وربما كانت أكبر عملية إرهابية حفظها التاريخ لتلك العصابات، هي تفجير فندق الملك داود في القدس، والتي راح ضحيتها مفوض الأمم المتحدة الكونت برنادوت وآخرون من الجنود الدوليين، وكانت العصابات ترمي من وراء هذه العملية إلى إخلاء ساحة الصراع من المراقبين الدوليين. ولا ينسى التاريخ الفظائع التي ارتُكبت ضد القرى الفلسطينية العربية، كأمثلة على أبشع ممارسات الإرهاب السافر والعنف المنظم والقتل المتعمد وترويع الآمنين. ولعل هذا كله يتمثل في كثير من المذابح، التي احتفظ التاريخ بتفاصيلها، وهزت أخبارها الضمير العالمي آنذاك، ومن أشهرها مذبحة دير ياسين. ومنذ ذلك الوقت أصبح الإرهاب شكلا من أشكال العمل السياسي التي يبررها البعض ويشجبها البعض الآخر، حسب الموقف والموقع والتفسير والهدف، كما أصبح من القضايا السياسية المختلف عليها، والتي استمرت مناقشتها نشطة على الساحة الدولية: تعقد حولها المؤتمرات، ويجتمع لدرسها وزراء الداخلية في تجمعات إقليمية ودولية، وتفسح لمناقشتها لقاءات الأمم المتحدة، وتصدر لمعالجتها وتحجيم آثارها قرارات دولية، كما أنها لم تعد مقصورة على منطقة بعينها، فهي تمتد من الولايات المتحدة إلى أوروبا امتدادا إلى شرق آسيا، مرورا بالطبع بالدول ذات الصراع الداخلي الدائم في معظم مناطق العالم الثالث. لقد أصبح الإرهاب دوليا بالمعنى الحرفي للكلمة. وقد صار «التصدى للإرهاب» موضوعا مقيما على أجندات معظم اللقاءات الدولية، بين دول جارة أو متباعدة، متحالفة أو متخاصمة، فأصبح الإرهاب بالمعنى السلبي وحشا كاسرا يهدد الكثير من البلدان، ولعل القارئ الفطن للصحف اليومية أو المتابع لنشرات الأخبار يلحظ أنه، بين فترة وأخرى، يُوقع اتفاق بين بلدين أو أكثر (لمحاربة الإرهاب) أو أن يطالب بلد بلدا آخر بتسليم «الإرهابيين» في عالم يصغر و تتقارب أطرافه من جهة، وتتعدد وتتنوع لديه فرص الإرهاب بتعدد وتنوع الوسائل الحديثة المستخدمة، والطرق المتطورة المفتوحة أمامه من جهة أخرى. أصبح التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب من أوليات السياسة الخارجية وضروراتها بالنسبة للكثير من الدول، بل أصبح هناك اليوم «ميثاق دولي للحد من تمويل الإرهابيين» ترعاه الأمم المتحدة، وتقاس على أساسه جدية الدولة المعنية في شأن ملاحقة الإرهاب، وتجفيف منابع التمويل المالي للمجموعات الإرهابية. مساحة رمادية لابد من الاعتراف بأن الأعمال الإرهابية، في المطلق، تتضمن مساحة من الغموض أو مساحة رمادية يتداخل فيها الأبيض والأسود، وإن كانت تتضمن أيضا مساحة واسعة من الاتفاق. فنحن العرب لا نرى أن ما يقوم به الفلسطينيون في الأرض المحتلة من أعمال المقاومة هو من قبيل «الإرهاب»، أو أن المقاومين لنيل حرية أوطانهم يندرجون تحت وصف الإرهابيين. ولكن لاشك في أن ترويع الآمنين وأخذ الأبرياء بجريرة أعمال وممارسات اقترفها أشخاص أو دول لهم علاقة بالأسباب المباشرة لعمليات الإرهاب، أو بسبب مطالب سياسية في الداخل معزولة عن العمل الشرعي العام أو لأسباب ابتزازية ومصلحية، كل ذلك العمل يقع في إطار «الإرهاب»، والذي يتزايد اليوم على امتداد أراض عربية شاسعة وينذر بالتوسع والتفاقم كما ونوعا، في المستقبل المنظور. ولعلي أشير هنا إلى حركات استباحت حرمة البلاد العربية أو كثير منها مثل حركة ابن لادن التي يُعزى لفروعها والمتعاطفين معها أنهم يعيثون فسادا في الأرض، كما أنه لا يتردد هو ومناصروه في إطلاق التهديدات تلو التهديدات باتجاه مجتمعات آمنة، ومصالح مشتركة يقرر فيها هؤلاء المتشددون وحدهم الصالح و الطالح نيابة عن آخرين أكثر منهم عددا (إذا قبلنا بالديموقراطية) وأكثر منهم علما بالمصالح المرسلة لشعوبهم (إذا قبلنا بالمصالح المرسلة). ولأن الوضع الرمادي قائم على التثقيف على طريقة «لا تقربوا الصلاة»، وهو المنطق المعكوس الذي يسود طائفة غير قليلة من المتعصبين، فإن إدانة الإرهاب الدولي تظل لدى البعض منكفئة على نفسها، وفي أغلب الأحيان تُعلَن على استحياء، أو إبراء الذمة وما دام الأمر كذلك فإن صعوبة عزل هذه الجماعات على المستوى الدولي تبقى صعبة، بل ربما مستحيلة. ولعلني هنا أذكر رجل دين شجاعا هو الدكتور يوسف القرضاوي، الذي أدان منذ أشهر «ترويع الآمنين» في إشارة إلى الاختطاف الذي مورس في إحدى الجزر الفليبينية ضد بعض السياح، وكأن قتل السياح أو اختطافهم يمثل لدى البعض عملية مبررة، بالرغم من أنها في حقيقتها مضادة لكل الأعراف والقيم. العدو البديل في موضع الإرهاب هناك مفارقة تاريخية لم تبحث بشكلها الكامل، وهي مفارقة لها علاقة بالسياسات النفعية التي تتبعها دول كبرى، فقد شجعت هذه الدول، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها، الحرب في أفغانستان التي كانت حرب تحرير قاوم فيها الأفغانيون الاحتلال السوفييتي السابق، وقد تدفقت الكثير من العناصر لأسباب مختلفة إلى الساحة الأفغانية في السبعينيات وبداية الثمانينيات؛ لأخذ دورها في تلك الحرب، ولكن ما لبث أن أصبح «خريجو أفغانستان»، كما تشير إليهم الأدبيات الدولية، وبالا على بلدانهم ومجتمعاتهم، والمعنى هنا أن تلك الجماعات التي تدربت أو مرت بأفغانستان ثم عادت إلى بلادها، كانت قد حملت في عقولها غضبها المدجج بالسلاح والأفكار لتستخدمه ضد مواطنيها، صانعة منهم عدوا بديلا تمارس ضده الإرهاب، غير عابئة أو متفهمة خلاف الساحات وافتراق المقاصد وتعدد الوسائل وتباين الأهداف، فأصبح المنتسبون إلى هذه الجماعات يهددون الاستقرار في مناطق الاضطراب الراهنة أو المحتملة، كما تقول وثيقة أمريكية صدرت أخيرا، ويمتد تأثيرهم و نشاطهم من تفجير سفارات إلى اختطاف طائرات إلى قتل أشخاص، وحتى تعطيل سباق رالي باريس دكار الدولي للسيارات، كما حدث في الجزائر منذ فترة. وبالرغم من أن الدول الغربية تشترك في محاربة الإرهاب الدولي على صعد كثيرة، إلا أنها في بعض الحالات تغض الطرف عن نداءات البلدان المتضررة من الإرهاب؛ لغلق الطريق الدعائي والإعلامي في وجوه هذه الجماعات، أو ممثليها في العواصم الغربية، ومنع الرعاية التي توليها هذه العواصم لتلك الجماعات. وكثيرا ما اشتكت الدول في العالم الثالث بأن الغرب ـ في بعض الأحيان ـ يؤوي جماعات إرهابية، ويستضيف قواعد لهذه الجماعات، تعمل على تكثيف التمويل أو الدعاية أو حتى التدريب، كما حدث ـ على سبيل المثال ـ في مطالبة اليمن لبريطانيا بتسليمه بعض الذين ارتكبوا أعمالا إرهابية على أراضيه، ثم لجأوا إلى بريطانيا، وذلك ليس المثل الوحيد. بجانب هذا، فإن الدول الغربية تعنى بمكافحة ومحاربة الإرهاب الموجه لمصالحها، أو يُرتكب على أرضها، ولكنها لا تقدم العناية الكاملة والمستحقة إذا كانت الأحداث الإرهابية تهم الدول الأخرى، وتقع في صلب واجبها لحماية أمنها القومي، لذا حملت هذه الدول المعنية بالإرهاب على كاهلها عبء التنسيق فيما بينها بعيدا، حتى عن مصالح الآخرين، كما حدث من تنسيق بين تركيا وإيران أخيرا، حيث شكلت قضايا أمن الحدود ومواجهة الإرهاب أحد أبرز الملفات في ذاك التنسيق. التعاون لاستئصاله عدم عناية الغرب بحاجات ومتطلبات بعض دول العالم الثالث، التي تعاني أشكالا من الإرهاب، يدفعها في المقابل إلى ألا تقيم وزنا كبيرا لما تتطلبه محاربة الإرهاب على المستوى الدولي، كذلك يجعل الإطلاق في التعميم والإدانة لمجتمعات وشعوب بعينها بأنها تناصر الإرهاب دون تمحيص أو تدقيق، والخلط بين نشاط أقلية متعصبة والاتجاه العام لنشاط شعب كامل أو حركة سياسية، يجعل من محاربة الإرهاب على المستوى الدولي عملية غير واقعية. فمن خلال ما ينشر في الغرب عن هذا الموضوع، رغم أهميته، غالبا ما يكون التركيز على المصالح من ذاك المنظور الغربي الضيق، دون الوعي بأن العمل الإرهابي عادة ما يكون جزءا من أعمال عنف مصدرها سياسي، فالقانون الذي يفرض على وزارة الخارجية الأمريكية حول تقديم تقرير عن مدى تعاون دولي لمعاقبة ومحاكمة إرهابيين مسئولين عن الاعتداء على مواطنين (أمريكيين) يقلص الاهتمام بدراسة ومحاربة الإرهاب على نطاق دولي بالمعنى الواسع، وسبر أغواره وفصل الحقيقي والجوهري من الأسباب والمعقول من الدوافع لدراستها، عن التعصب الأعمى، إلى جانب الأخذ بمصالح الدول الأخرى، والتي هي غالبا تكون ضحية للإرهاب، وليست صانعة له. إن بؤرة إرهاب صغيرة هنا، قد تتحول إلى عاصفة إرهابية هناك، وكذلك مجرد شرارة عنف تندلع في أي بقعة من العالم، سرعان ما تتحول إلى جذوة نار قد تؤجج العالم كله، ولعل هذا ما يملي على الجميع ضرورة تحديد مفهوم دقيق للإرهاب، ثم التعاون البناء للعمل على استئصاله. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت