صرت أفتح شبكة الانترنت بشكل يومي تقريباً، ولن أبالغ اذا قلت بأن أغلب المواقع العربية على الشبكة قد تحولت الى صناديق اقتراع وبرلمانات حوارية، ليس على طريقة غرف الدردشة المعروفة على الانترنت، وانما تلك الحوارات التي تمس أوجاعاً عميقة في الذاكرة والقلب والنفس لدى المواطن العربي الذي يعي تماماً ما تعنيه صناديق الاقتراع في بلده، وما مصير النقاشات الحوارية في برلمانات بعض الدول العربية! ولأن البرلمانيين في بعض الدول العربية يتحاورون بقذف بعضهم بالزجاجات الفارغة، ويستعرضون بطولاتهم الديمقراطية في شتم بعضهم بعضاً، حتى وصل الأمر في الأردن الى قضم اذن نائب برلماني بأسنان زميله!! وافرازاً لديمقراطية الأسنان هذه، فقد أصبح من البديهي ان يشيح المواطن العربي بوجهه عن هذا الواقع الميئوس منه، ويتجه الى شبكة الانترنت ليمارس حقه الطبيعي في الديمقراطية وحرية التعبير ولكن اليكترونياً فقط! منذ أسبوع تقريباً وأنا أتابع المواقع العربية، وأرصد القضايا المطروحة للحوار، وللاقتراع، فاتضح بأن 90% من هذه القضايا سياسية، والباقي امور حياتية تتعلق ببرامج الدعاية والمرأة وشريك الحياة، وهاجس المليون. والحال نفسه يتكرر مع البرامج الحوارية في بعض الفضائيات العربية التي استنسخت نمط «السي.ان.ان» على الطريقة العربية! من القضايا التي لا حصر لها التي عرضت للاقتراع عبر بعض المواقع العربية نجد اسئلة من شاكلة: هل تعتقد ان هناك حرية تعبير في العالم العربي؟ وهل تؤيد الانسحاب السوري من لبنان؟ هل ترضى ان تدخل في حوار مع شخصية اسرائيلية أم تعتبر ذلك نوعاً من التطبيع وتنسحب من الحوار؟ ما رأيك في مواجهة الشرطة الأردنية للمظاهرة الأخيرة وقمعها بالطريقة التي حدثت؟ وأسئلة غيرها مما يدفع الآلاف من مستخدمي الشبكة للاشتراك والاقتراع والدخول في الحوار، وترصد هذه المواقع عادة النتائج وتقدمها بشكل رقمي جيد ومفيد. وعند قراءة بعض الحوارات والآراء تتعرف على الكثير من أنماط التفكير لدى المواطن العربي خاصة فئة الشباب، باعتبار انهم الفئة العمرية الأكثر ادماناً على استخدام الانترنت، وأحياناً ان لم نقل غالباً ما تفاجأ بتوجهات وافكار كانت بعيدة عن مجال تفكيرك، وأحياناً أخرى تطمئن إلى أن هناك ثوابت سياسية وعقائدية مازالت في وضع مطمئن خاصة فيما يتعلق بقضايا التطبيع والعلاقات مع «اسرائيل»، وقضية الحياة السياسية العربية وضرورة الدفع باتجاه مظاهر الديمقراطية فيما يتعلق بحرية الصحافة والرأي والتعبير وبنية المؤسسات و.... الخ. على شبكة «بي.بي.سي.اونلاين» حوار بالفيديو مع الكاتب العربي محمد حسنين هيكل استوقفني فيه سؤال مراسلة الشبكة حول رأي «الأستاذ» في أعمال «العنف» في فلسطين ومصير عملية السلام؟ هيكل أجاب بشكل حاد النبرة: هناك مصطلحات تثير غضبي واستيائي كثيراً وأجدها خاطئة وتكرارها مسيء بالفعل ومنها لفظ «العنف» كمصطلح يطلق خطأ على المقاومة المشروعة التي يقوم بها الشعب الفلسطيني الأعزل ضد قوة احتلال غاشمة تستخدم أبشع أنواع العدوان والأسلحة، فأين العنف ومن الذي يمارس العنف هنا؟ القضية ليست عنفاً أبداً، انها اعتداء سافر تقابله مقاومة مشروعة. لا نحتاج لمتحاورين يدخلوننا في تيه صراعاتهم وانتماءاتهم الحزبية والمصلحية الضيقة ويضيفون الى أزماتنا وظلام واقعنا بؤساً أكبر، نحتاج الى أشخاص يتحدثون بنور العلم وهدوء المنطق، نحتاج أن نتعلم ونفهم لا أن نتصايح كالديكة، ونقضم بعضنا بالأسنان، ولا نصل الى نتيجة، نحتاج حوارات راقية على طريقة الحوار مع محمد حسنين هيكل.