كان السيد مصطفى لطفي المنفلوطي الأديب المصري الشهير يكتب العبرات أو النظرات في سنوات العقدين الأول والثاني من القرن العشرين يومها كان فن القص بصيغته الحديثة أو المعاصرة ، فنا جديدا يكاد يحبو في دنيا الأدب العربي.. صحيح أنه كان قد سبق في أخريات القرن التاسع عشر كتابات يتحرك في أحشاء صدورها فن القصة وقد أبدعها كاتبون اختاروا أسلوب الحكي كي ينقلوا رسالتهم إلى تاريخهم وكان منهم عثمان بك جلال القاضي المحترم الذي ترجم (خرافات) الشاعر الفرنسي لافونتين إلى نظم عربي سائغ ولغة جميلة بعنوان (العيون اليواقظ) وترجم بعدها من مسرحيات موليير الفرنسي أيضا مختارات نشرها بعنوان (أربع روايات من نخب التياترات). وترجم عن المسرحي راسين عملا نشره بعنوان (الروايات المفيدة في علم التراجيدة) هكذا ـ وصحيح أن نشر الأديب محمد بك بن الأديب ابراهيم بك المويلحي وهما سليلا عائلة حجازية استقرت في أرض مصر وأصبحت من سراة الناس نشر كتابه الشهير بعنوان (حديث عيسى بن هشام) وهو نوع من الاستطراد المعاصر أو المحدث لمقامات بديع الزمان والحريري.. وصحيح كذلك أن نفراً من شباب الأدباء في مصر والشام كانوا قد نهضوا إلى استنبات فن القصة ومن ثم الرواية حسب الأصول الفنية التي كانت قد انحدرت إلى وطن العرب من أيام القرن التاسع عشر للقصة والرواية في فرنسا كما أبدعها بلزاك وهوجو وجورج صاند ومن أيام العصر الفيكتوري كما أبدعها متأخرو ذلك العصر في انجلترا ما بين ديكنز إلى توماس هاردي وما بين جورج اليوت (هكذا اتخذت اسمها الفني وشاركتها أيضا الأديبة الفرنسية صاند) إلى أوسكار وايلد في هذا الاطار كان يجدر بالأديب الكلاسيكي الأزهري النشأة، مصطفى المنفلوطي أن يلتفت إلى فن القصة بكل قوانينه في تقنياته وأساليب معالجته إلا أن المنفلوطي رأى لأمر ما أن يكتفي من الغنيمة بأسلوبه الجزل ولغته البارعة في فن السبك والإنشاء.. وعباراته التي كانت تتدفق رقة وتسيل عاطفة وتبعث التنهدات ـ كما قد نتخيل في أفئدة أصحاب القلوب الرقيقة الواجفة في ذلك العصر الذي نراه ساذجا بقدر ما أنه بعيد.. بعيد. لم يتوقف المنفلوطي مثلا عند شاب أرسلته أسرته الريفية الموسرة ليكمل علومه العالية في باريس حيث حصل على الدكتوراه من جامعتها العريقة عن رسالته في (صندوق الديون) التي كانت تنوء بها خزينة مصر المهيضة بعد أن أسرف إسماعيل باشا الخديوي السابق في مد اليد إلى سفلة المرابين أصحاب بنوك أوروبا ومصرفيها حين عاد هذا الشاب إلى القاهرة نشر روايته الرائدة على الناس ليؤرخوا بها بصورة أو بأخرى ميلاد الرواية في أدب العرب الحديث.. ورغم أنها الآن عمل تزيد قيمته التاريخية على قيمته الفنية إلا أن الرواية مازالت تحتل مكانة الريادة بحق. فبدلا من أن يختار لها مؤلفها اسما أو عنوانا على الطريقة الكلاسيكية من مستوى (صهاريج اللؤلؤ) أو (العيون اليواقظ) أو (درّة الغواص) أو (مجمع البحرين) وتلك كما قد لا يخفى عليك عناوين أعمال فنية أدبية صدرت بين أواخر القرن التاسع عشر، ومطالع القرن العشرين إذا بمؤلف الرواية الرائدة وهى مؤرخة من حيث النشر بسنة 1914 يختار لها عنوان (زينب).. وهكذا خبط لزق كما يقولون.. وليس لك أن تتصور أن الأمر كان وقتئذ سهلا أو ميسورا.. فها هو كتاب يصل إلى أيدي الناس.. يحكى قصة امرأة.. لا هي تحمل لقب الهانم ولا الأميرة ولا الخاتون.. لا كانت صاحبة عصمة ولا حاملة وسام الكمال.. ولا سليلة البيوتات ومن كرائم العقيلات.. إلى آخر الألقاب الفخيمة في ذلك العهد الذي كان كل شئ فيه كرنفالياً.. احتفالياً وتفخيمياً.. أو هو عثمانلي كما كانوا يقولون. (زينب : مناظر وأخلاق ريفية) هكذا قرأ الناس عنوان الرواية الجديدة التي سرعان ما ملكت عليهم حياتهم ووجدانهم شغفا إذ كانت جديدة على ما كانوا يقرأون.. أما المؤلف فلم يفصح عن اسمه، ربما اشفاقا من جدة التجربة. ربما لأنه كان ابن عائلة محترمة. حاصل على الدكتوراه.. ودارس في باريس. وينوي الاشتغال بالسياسة والعمل الوطني. ولا يليق به كما كان يتصور أن يكتب كلاما عن العشق والحب والعواطف.. ناهيك أن يدير الحكاية من أولها وآخرها على الست زينب المذكورة اعلاه وهى لا تعدو- كما تقول الرواية فلاحة من ريف دلتا النيل لا يزكيها حسب ولا نسب.. ولا شئ على الإطلاق، إلا أنها كانت إنسانة كان لسان حالها يقول ولو على لسان الشاعر باكثير في أغنية أم كلثوم الشهيرة: ياقوم اني بشر مثلكم وفاطري ربك الفاطر لي كبد تهفو كأكبادكم ولي فؤاد مثلكم شاعر لا عجب أن أراد مؤلف الرواية الرائدة أن يستخفى عن الناس ربما في أول الأمر.. وأن يطلق الرواية محمولة على بالون اختبار يقول أنها من تأليف فلاح مصري (وبعد أن تأكد من قبول الجمهور واستحسان الناس كشف عن نفسه.. وعرف الناس من بعد أن مؤلف زينب لم يكن سوى صاحب العزة محمد حسين هيكل بك.. الذي ذاع اسمه حين أصبح رئيسا لتحرير جريدة «السياسة» التي نقلت إلى الناس خلاصة ما كان يموج به الثلث الأول من القرن العشرين من أفكار ودعوات ونظريات في الفكر والأدب والنقد والسياسة والاجتماع. وحين اندلعت ثورة 1919 الوطنية ضد الإنجليز كان لها جانبها الفني الذي تجسد في اكتشاف جديد في التعبير عن الشخصية الوطنية والوجدان القومي: سيد درويش يكتب موسيقاه ليردد أنغام السقايين والعمال (لحن الصنايعيه الذي تغنيه فيروز) ولحن العربجية (الحوذية).. ثم نهضة فن الأقصوصة وهى أرقى أنواع القص على يد شبان كانوا سوبر موهوبين كانت إبداعاتهم تلمع مثل فصوص الدر الثمين.. من أمثال محمد تيمور ومحمود لاشين ومن قبلهما شحاته عبيد ومن بعدهما استاذنا الذي عاصرناه يحيى حقي ونحسب أن المنفلوطي قد آثر أن يتحصن في خندق البلاغة وربما كانت مشكلته أن لم يطلع من خلال لغة أجنبية على إبداعات الغرب الأوروبي في مجال القصة أو الرواية على نحو ما أتيح لأصحاب الأسماء التي سردناها على مسامعك الكريمة. وربما زاد الأمر سوءاً أن ما اطلع عليه من خلال الترجمات التي قدموها إليه لم يكن من عيون أدب القص الفرنسي.. فقد كانت الروايات التي أعاد المنفلوطي صياغتها أقرب إلى المقامات منها إلى الأعمال القصصية.. روايات نشرها المنفلوطي بأسماء كالشعارات مثل (الفضيلة في سبيل التابع).. الشاعر سيرانو دي براجراك. مجدولين تحت ظلال الزيزفون.. وكانت مليئة بالمواعظ والخطب الطوال والأشعار المنثورة والمتصلة بشكل يستفز أي قارئ صبور حليم.. لا يكاد يحدث فيه شئ ولا تتحرك فيه دراما. بل المسألة ناس تتبادل أحاديث ومجادلات ومحاولات. وقلم المنفلوطي البليغ شغال على ودنه صياغة أفكار أبطاله وجنسيتهم فرنسية في قوالب بلاغية تعود إلى العصر العباسي الأول.. أو الثاني على أبعد تحقيق. أحيانا كان يروق للمنفلوطي وليس هناك أحد أفضل من أحد كما يقول المثل الشائع أن يلجأ إلى مثل تلك الحيل والأحابيل التي يلجأ إليها فنانو القصة أو الرواية. فإن أراد أن يحكي عن بطل للقصة.. فإنما شاهده المنفلوطي من نافذة منزله. وان أراد أن يروي مشاعر درامية مضطربة ومضطرمة حول شخوص عمل روائي. فهو قد سمع أنينا في جوف الليل. طبعا من بيوت الجيران عبر الشارع الذي يقيم فيه. كل أبطال قصصه كان المنفلوطي يراهم عبر الشارع في بيوت الآخرين. ومع ذلك كان يصنعهم لقارئيه في عباراته الفصيحة بتفصيل لا يتواءم مع حكاية الإطلال من نافذة الكتاب إلى حيث نرى جيران الهنا. انه يحكي لنا عن شحوب الوجه.. والعيون المنداة بالدموع والنزوات الحرى والتنهدات المغموسة في حجر الأسى إلى آخر هذه التفاصيل حيث يخيل إليك أن المؤلف الهمام كان يتطلع إلى الجيران من خلال تلسكوب دقيق أو بواسطة سماعة طبية عملاقة موصلة بين أذن الأديب وقلوب السادة الجيران ولأن عصر المنفلوطي كان مائجا بالنقد العنيف. فقد ترصده المازني بالنقد الذي قد تراه اليوم عنيفا لدرجة الشطط وان كنا نعرض له أنه يمثل حلقة من تطور آليات النقد العربي الحديث وهو ما يوصلنا، بإذنه تعالى، وهمتك، إلى ختام هذه الأحاديث.