عنوان الكتاب يلخص القصة كلها، العنوان يتكون من جزأين، الجزء الأول عبارة تقريرية هي: «ثمن الأمومة»، أما الجزء الثاني فقد صيغ على هيئة تساؤل: «لماذا لا تزال أهم مهنة في العالم تنال أقل تقدير؟» هذا الكتاب الذي صدر لتوه في الولايات المتحدة للكاتبة الأمريكية آن كريتندين يحكي عن حال المرأة الغربية فيما يتعلق بدور الأمومة، والحقيقة المحورية الأولى التي تتفرع عنها الحقائق الأخرى، كما تعرضها المؤلفة هي ان المرأة في الغرب تنظر إلى الأمومة وكأنها عيب يجب تفاديه قدر الامكان! وهذه النظرة ناشئة عن المفهوم الغربي السائد بشأن المساواة بين الجنسين.. ذلك المفهوم الذي يتعارض في بعض جوانبه مع سنة الحياة الطبيعية، فلماذا يكون واجب رعاية الطفل الوليد من نصيب المرأة، وليس من نصيب الرجل؟ أين المساواة إذن؟! إن سنة الحياة الطبيعية التي تدركها مخلوقات الكون بالغريزة التلقائية هي ان العناية بالطفل الوليد هي دور الأم وليس دور الأب. والدليل على ذلك أوضح من ان يستنتج، فالتركيب الوراثي للأنثى وليس للذكر، هو الذي يهيئها لممارسة دور الأمومة، ولو كان الأمر غير ذلك لما كان الحمل أصلا من نصيب المرأة، ولما كان للمرأة ثديان كبيران يدران لبنا. فلماذا إذن وكيف تبلور المفهوم الغربي المغلوط الذي يجعل المرأة تستشعر عقدة نقص تجاه الرجل، إذ قبلت بممارسة مهنة الأم؟ في تقديري ان هذا المفهوم يعكس رؤية رأس المال للمرأة في مجتمع صناعي متقدم، فالمرأة من منظور رأس المال هي كالرجل سلعة بشرية من العناصر الرئيسية لعملية الانتاج الصناعي والخدمي. والوضع المثالي في المجتمعات الصناعية المتقدمة يقتضي حشد الموارد البشرية بصورة شاملة لبلوغ حالة «الاستخدام الكامل» وصولا إلى الحد الأقصى للربحية مع أقل حد من التكلفة. ان الأمومة تتعارض مادياً مع هذه الفلسفة على الصعيد التطبيقي، فعندما تضع امرأة عاملة مولوداً فإنها تحتاج بطبيعة الحال إلى تفرغ كامل للمولود العاجز عن نفسه ورعايته والاعتناء به إلى ا ن يتمكن من المشي على الأقل، هذا التفرغ يتطلب فسحة زمنية لا تقل عن سنة. غير ان صاحب رأس المال قد لا يكون على استعداد لمنح عاملة إجازة لمدة سنة أو أكثر مدفوعة الأجر. هذا ينطبق على الولايات المتحدة على الأقل. وفي هذه الحالة إما ان تخاطر العاملة الأم بفقد وظيفتها للتفرغ لطفلها الوليد، وإما ان تهرع بعد الوضع إلى استئناف عملها بعد ان تعهد به إلى دار حضانة. وتقول مؤلفة الكتاب ان الخيار الثاني هو الذي تأخذ به عادة غالبية النساء في الولايات المتحدة، لماذا؟ لأن الأمهات العاملات اللاتي يتركن العمل مؤقتا للتفرغ لأطفالهن يكتسبن سمعة في أوساط العمل بأنهن «لا يمكن الاعتماد عليهن في تحمل مسئولية العمل»! وصفوة القول ان المجتمع الغربي الصناعي قد يمضي قدما في مسار تحقيق قفزات اقتصادية نوعية بالاستفادة من الاستخدام الكامل طول الوقت للأيدي العاملة البشرية، لكنه يظل ينتج أجيالا بعد أجيال من الأبناء والبنات المحرومين من الحنان الطبيعي للأم، فتكون النتيجة كما نرى: شباب من الجنسين تتفشى بينهم الجريمة بأنواعها، وإدمان المخدرات، وبالإجمال مجتمع مهووس بالاقتناء المادي بأي وسائل تبررها الغاية.